غلاف كتاب "الأعمال الأدبية" لليوناردو دافنشي (الجزيرة)
هيثم حسين
 
يتعرف القارئ في كتاب "الأعمال الأدبية" للإيطالي ليوناردو دافنشي (1452-1519) على الجانب الأدبي والفلسفي في شخصية الفنان المبدع والمخترع الذي ساهم بإنجازات لافتة في عدد من المجالات كالتشريح والبصريات والميكانيك، فضلا عن إبداعاته الفنية ومساهماته الفكرية.  

يجمع الكتاب بين دفتيه أعمال دافنشي المتفرقة -وهو ترجمة الشاعر أمارجي ونشر دار التكوين السورية– وتتجلى فيه شخصية دافنشي عبر آرائه وأفكاره، لا سيما وأن كثيرا من الناس لا يعرفون دافنشي إلا من خلال لوحته الشهيرة "الموناليزا" التي قيل في تحليلها وتأويل تفاصيلها واشتغاله فيها الكثير، ولا تزال موضع تجاذب متجدد.

دافنشي، الذي جعله الأميركي دان براون بطل روايته "شفرة دافنشي" التي ذاع صيتها، يظهر خبيرا في إرسال رسائله المبطنة في شذراته المنثورة في أعماله، وتبدو صور أعماله غير المكتملة بدورها تأكيدات على فرادته باعتباره سابقا لعصره.

يحمل حديث دافنشي ردودا على منتقديه، فهو يصفهم بالمنتفخين غطرسة ومباهاة بما يلبسونه ويتخذونه زخرفا من ثمار جهد الآخرين، لا ثمار جهدهم

كتابة متحررة ومكثفة
يكتب دافنشي كتابة متحررة من قيود التجنيس، ويعتمد التكثيف في جمله وكأنه يطلق عبره وحكمه ووصاياه باختصار بعيدا عن الإطناب الذي لا يستسيغه، والكلمة عنده إحدى أدواته التعبيرية لإيصال بعض رموزه التي يستعين باللوحة على إرسالها وإيصالها.

ينقسم الكتاب إلى تسعة عشر فصلا، بينها "شذرات فكرية"، و"خرافات"، و"مؤلفات رمزية"، و"تنبؤات"، و"طُرَف"، و"استهلالات"، و"تُحفتان وكشف واحد"، و"كلام ضد الاختزاليين"، و"ضد العراف والخيميائي"، و"التحليقة الأولى"، و"الطوفان"، و"كهف"، و"الوحش البحريّ"، و"رسائل"، و"متفرقات ونسوخ"، بالإضافة إلى ملحق صور ببعض أعمال دافنشي الفنيّة واختراعاته.

يبرز دافنشي في أعماله الأدبية جامعا بين الفكر والشعر، معتمدا لغة ينوع من خلالها في أساليب عرضه ومقاربته وصياغته لأفكاره. كما يبدو لماحا في التقاطه للمفارقات التي يقدّمها أو يستعرضها.

الحكمة متضمنة في شذرات دافنشي التي تتبدى كخلاصة تجربته الحياتيّة الفريدة والغنيّة. لا تكاد صفحة من كتابه تخلو من هذه الحكم المساقة بطريقة أو أخرى. يركز فيها على الجانب العقلاني في الإنسان، ويؤكد على دور التجربة في العلم والحياة، وعدم الارتهان للظنون والتخمينات.

تراه في حديثه عن التجربة يؤكد أنها لا تخطئ أبدا، إنما تخطئ أحكامنا فحسب حين تصير تبشيرا بنتائج لم تفض إليها تجاربنا قط.. وفي شذرة تالية يعيد التأكيد على قوله السابق عن التجربة وأن الأحكام حيالها هي التي تخطئ، وذلك "حين نعد التجربة بما هو خارج قدرتها. ظلما يلوم الإنسان التجربة، وبتقريع عنيف يتهمها بأنها تضلله"، ويضيف في موضع آخر "من يحمل التجربة ما لا طاقة لها به، يشذّ عن المنطق".

يعود دافنشي للحديث عن دور التجربة الهام في "استهلالات" ذاكرا بما أنه خلافا لغيره لا يستطيع الاستشهاد بكلام غيره من المؤلّفين، فلا مناص له من التعويل على ما هو أعظم من ذلك وأجدر: على التجربة، هذه التي هي معلمة معلميهم.

ويحمل حديثه ردودا على منتقديه، فها هو يصفهم بالمنتفخين غطرسة ومباهاة بما يلبسونه ويتخذونه زخرفا من ثمار جهد الآخرين، لا ثمار جهدهم، "تراهم يحرمون علي ثمار ذاتي. أولئك سوف يحقرونني بأني مبتكر، لكن كم من الذم سوف ينال مَن لا يعرف الابتكار، ولا يحسن إلا التفاخر والتغني بأعمال الآخرين" (ص 123).

تفصح كتابة دافنشي عن ثراء شخصيته، فتراه يتنبأ ببعض الأمور ويستشرفها، أو يتخيل بعض الإنجازات ويخطط لها، كالطائرة مثلا، وقد يغوص في عالم الحيوان

خبرة بالنفوس
كثيرة هي الوصايا والحكم والعبر التي يعجّ بها كتاب دافنشي، وهو يظهر فيها خبيرا بالنفس البشريّة ونوازعها الكثيرة، فيعرف كثيرا من المشاعر والأحاسيس، يحيل إلى نشوئها وتعاظمها وتمكّنها من المرء في حالات بعينها، فمثلا يقول عن الخوف إنه يولد أسرع من أي شيء آخر. وكذلك في مقولته "إنّ الشيء يحرّك الحاسّة"، في إشارة إلى تبعيّة الإنسان لحواسّه وغرائزه في كثير من الأحيان، وبخاصة حين يتمّ تغليب ذلك على التعقّل المفروض.

تفصح كتابة دافنشي عن ثراء شخصيته، فتراه يتنبأ ببعض الأمور ويستشرفها، أو يتخيل بعض الإنجازات ويخطط لها، كالطائرة مثلا، وقد يغوص في عالم الحيوان كتحليله وتوصيفه لستّة وتسعين من الحيوانات في "مؤلّفات رمزيّة" عن الحيوانات وعاداتها. يغوص في عالم الحيوان ليصف طبائعها، ويحيل بطريقة غير مباشرة إلى نوع من المقارنة بينها وبين الإنسان في الطباع.

ينتقل من مقطع إلى آخر مبديا النصح والإرشاد على طريقة المعلمين والمبشّرين. وقد تحمل وصاياه أو شفراته المرسلة جانبا معاصرا وإسقاطا وتماثلا واقعيين. كما أن بعض الفصول تكشف عن شخصيّة دافنشي المحبة للطرفة، وذلك من خلال سرده لأكثر من ست وعشرين طرفة وتقديمها كقصص قصيرة جدّا تشتمل على البسمة والعبرة والمفارقة. ويقترب في نصوص أخرى من القصة وكأنه يؤكد أنّ الحكاية مشكاة العبرة.

لاشكّ أنه يصعب الإلمام بمقاصد دافنشي الكثيرة ومراميه المتعدّدة في أعماله الأدبية، لا سيما وأنها تعكس فلسفته الحياتيّة والفنية، وأنها مكتوبة على مراحل متباعدة، وفي أماكن وأوقات متفرّقة، كما أنّ قسما منها يقدّم مبتورا أو ناقصا لأنّه لم يكملها أو لم تتسنّ له الفرصة لإيضاحها. ومن هنا لا يمكن التعاطي إلا بانتقائية مع أعماله التي تعكس أفكاره متناثرة هنا وهناك.

يغتني الكتاب بحواشي المترجم أمارجي، وشروحاته التفصيلية التي تكشف عن تفاصيل كثيرة متعلّقة بدافنشي نفسه أو بالكتّاب الذين يحاورهم أو يحاكيهم، يكشف ما وراء الخطاب المكتوب والموقف المعلن وبعض الدوافع والأسباب التي حفّزته للقيام بهذه المبادرة أو المقولة أو تلك.

كما يحيل فيها إلى بعض المقارنات بينه وبين آخرين سابقين له. وينوّه إلى إشارات دافنشي الدينيّة واقتباساته من القرآن الكريم، ومن نصوص لأدباء ومفكرين سابقين. يقرّب بذلك النصوص من القراء ويكشف عن جوانب من معاصرتها وديمومتها وتجددها.

المصدر : الجزيرة