جانب من فعاليات دورة 2013 لفيلم الهواة الذي انتظم تحت شعار "ثقافة المقاومة" (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
في حوار جمع المفكر إدوارد سعيد بالمذيع الأميركي الشهير دافيد بارساميان يقول صاحب "الاستشراق" إنه عندما يتعلق الأمر بالهوية السياسية وعندما تكون عرضة للتهديد فإن الثقافة تمثل أداة للمقاومة في محاولات الطمس والإزالة والإقصاء، إن "المقاومة شكل من أشكال الذاكرة في مقابل النسيان".

ويضيف صاحب "الثقافة والمقاومة" أن فيلم "يد إلهية " للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان "نجح وأثار الاهتمام لأنه لم يكن فيلما نضاليا ودعائيا، بل على العكس من ذلك كان فيلما ساخرا، فهو يتناول فترة الاحتلال بمرح، ولا يتم عرض المعاناة بالمعنى التقليدي للكلمة". 

مع الحراك الشعبي والتحولات الجيوسياسية في المنطقة العربية، أصبحت المقاومة شأنا يوميا شعبيا، وطرحت مسألة مدى الحاجة لفن مقاوم وسينما مقاومة، وصورة هذه السينما في ظل التحولات الحاصلة وما الذي يتوجب عليها أن تقاومه.

أسئلة وهواجس كثيرة ينطق بها السينمائيون والنقاد حول هذا النمط السينمائي الذي له جمهوره الكبير، وأعادت الجزيرة نت طرحها على مجموعة من النقاد والسينمائيين والمخرجين التونسيين على هامش الدورة الأخيرة للمهرجان الدولي لفيلم الهواة بتونس الذي انعقد تحت شعار "ثقافة المقاومة".

تركيز أنظمة ديمقراطية بدل الأنظمة الشمولية في بلداننا العربية لا يمكن أن يحجب سينما المقاومة لأنه ستبقى هناك ثغرات وهوامش هنا وهناك ستصل إليها الكاميرا

سينما متجددة
يقول الناقد السينمائي كمال بن وناس في هذا السياق إن المقاومة أصبحت عملا متواصلا وجدانيا، فقد كانت قبل أربعين عاما، ضد عدو ظاهر وعدو خارجي أصبحت اليوم في وجه من وجوهها مقاومة للذات، إذ كيف لي كفرد أن أطور من نفسي بحيث أكون نافعا وفاعلا؟. ويضيف نائب رئيس الجامعة الأفريقية للنقد السينمائي "إن المقاومة الحقيقية هي في ترك الأثر الثقافي وهو ما سيحمي الأجيال القادمة من أي خطر  يتهددهم".

أما الناقد السينمائي والجامعي إقبال زليلة فيرى أن المقاومة أعمق من مدلولها السياسي الأيديولوجي، فالسينما فن مقاوم بطبعه وعلينا أن نرتفع بالمقاومة لتكون شأنا يوميا وسلوكا يوميا بالفن وفي الفن نفسه، فكل فيلم جيد هو مقاومة للرديء، وللثقافة الرديئة.

ويؤكد زليلة أن "كل سينما عليها أن تقاوم تاريخها بتجديد نفسها، وهذا ما أراه في سينما التحريك التي حققت نجاحا لافتا في المستوى الفني والمواضيع التي تطرحها. فليست المقاومة هي المهددة إنما طرق اشتغالها وطرق الطرح القديمة هي التي تهرأت وعلينا أن نجدد النظر في مفهوم المقاومة من جهة ومن طرق المقاومة من جهة ثانية".

الناقد الناصر الصردي يؤكد من جهته أن سينما المقاومة ليست بالضرورة مرتبطة بالأنظمة الديمقراطية وأن "تركيز أنظمة ديمقراطية بدل الأنظمة الشمولية في بلداننا العربية لا يمكن أن يحجب سينما المقاومة لأنه ستبقى هناك ثغرات وهوامش هنا وهناك ستصل إليها الكاميرا وسيقتحمها السينمائي ليبرزها ويضعها نصب أعيننا لنواجه ما خفي".

"
يعبر المخرج مهدي هميلي عن أمله في سينما لا تكون أداة في يد سلطة أو معارضة، والمطلوب سينما تقاوم الرداءة لا سينما مقاومة رديئة

مافيا المقاومة
ويضيف الصردي أن "حفظ الذاكرة والهوية من كل ضروب الاعتداء الأجنبي والداخلي موضوع شاسع سيحمي سينما المقاومة وسيطيل من عمرها، كما أن أفلاما تدافع عن حقوق الإنسان والأطفال والنساء والحريات الشخصية وحرية الفن نفسه يمكن اقحامها في خانة سينما المقاومة.

فمفهوم المقاومة لا يتنازل عن وجهه التنويري والنهوض بالشعوب التي أنتجت نخبها تلك الأعمال، إذ المقاومة ليست هدفا في حد ذاته، إنها سينما جاءت لتحارب رداءة الرؤية بتعديل زاوية النظر. 

ولئن اتفق المخرج مهدي هميلي مع الصردي وزليلة في ضرورة مقاومة الرديء، فإنه يذهب بعيدا في أن هناك "مافيا المقاومة". ويقول المخرج العائد إلى تونس بعد الثورة بعد أن قضى سنوات يهاجم نظام بن علي في فرنسا إن "مافيا المقاومة" بالعالم العربي جعلت من السينما مسرحا لتصفية حساباتها مع السلطة.

وما يحدث في فلسطين -وفقا لهميلي- هو الذي جعل ما سماها بالمافيا تزدهر وتنعم بالأموال والجوائز، بينما السينما فن كسائر الفنون، فيه مراحل ومدارس واتجاهات فنية وسياسية. ولا يؤمن هميلي بالمقاومة في السينما، ففكرة المقاومة -كما يقول- فيها "تجن صارخ على الفن الذي يمكن أن يكون فاشيا ويمينيا وقد يكون رائعا"

ويضيف هميلي أن المقاومة في السينما وخاصة بالعالم العربي "هي وليدة مرحلة سياسية متقلبة عاشتها بلداننا منذ ولادة إسرائيل، وهي تبرر آلاف الأفلام البائسة فنيا والتي أنتجتها العصور الناصرية والساداتية والعرفاتية والحماسية الاستشهادية في أوائل القرن الجديد".

ويشير المخرج التونسي إلى سينما المخرج الفلسطيني إيليا سليمان باعتبارها "سينما ذكية وساخرة لا تبحث عن العواطف الوطنية الجياشة الخالية من السينما لتصنع منها سينما. فالسينما طالما كانت السينما أسمى من وزارات الدعاية "والتغييرات التي تشهدها بلداننا، ستؤثر في السينما".

ويعبر هميلي عن أمله في إنتاج أفلام سينمائية في المستوى، لا تكون السينما أداة في يد سلطة أو معارضة، والمطلوب بالنسبة له "سينما تقاوم الرداءة لا سينما مقاومة رديئة".

المصدر : الجزيرة