المسرحية تبحث في تحولات الضحية الفلسطينية والتعايش مع جلادها (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

صدرت في مدينة القدس المحتلة مؤخرا مسرحية "المستوطنة السعيدة" للكاتب والروائي الفلسطيني أحمد رفيق عوض، وتعكس المسرحية التناقض في نظرة المجتمع الدولي للفلسطينيين المنحازة لإسرائيل، في ظل حاجة الفلسطينيين للتحرر واستعادة صفة "الضحية الكلاسيكية". 

وفي المسرحية، التي تحكي بلغة بسيطة لكنها زاخرة بالوقائع والروايات التاريخية، قصة لجنة تقصي حقائق أممية جاءت إلى الضفة الغربية للتعرف على ملابسات مذبحة قرية "كفر صقر" قرب رام الله (قرية متخيلة) على أيدي مستوطني مستوطنة "كفار صقر". 

ويقع أعضاء اللجنة في شرك رؤيتهم المسبقة للشرق ومواقفهم المنحازة تماما للرواية الإسرائيلية أو المتواطئة معها.

وتتألف لجنة التحقيق من ثلاثة رجال وامرأة، هم روبرت كارل القاضي المتقاعد صاحب الخبرات السابقة في التحقيق الدولي، وحفيد الرحالة الأوروبي الشهير ماري كارل الذي كتب عن الشرق العربي دون أن يزوره.

وكذلك أرنولد ريكهارت الجنرال الأميركي المتقاعد الذي حارب في أفغانستان والعراق. والسير والتر ليفي السياسي العريق والإعلامي المعروف المتهم بدعم السياسات المحافظة في بلاده، وخديجة المرزوقي التي انشقت وسافرت إلى الغرب لتنشط في مجال حقوق الإنسان والدفاع عن المرأة وحقها في الإنجاب خارج الزواج ونالت جوائز رفيعة على ذلك.

التعويذة والنقيض
وفي المسرحية الصادرة عن دار الجندي للنشر، يعبر عضو لجنة التحقيق ليفي -اليهودي الذي سيظهر انحيازاً تاماً للرواية الإسرائيلية- عن الديمقراطية كتعويذة يتمسك بها الغرب الذي صممها على مقاسه لكن ليس لكل الناس، إنه ينكر على مجموعات بشرية هذه الديمقراطية ويسميهم نقيضها لأنها لا تنفع لهم.

وهذا النقيض بالنسبة لليفي هم الفلسطينيون والعرب والمجتمعات من غير الغرب، وفي مجال التحقيق تصير الديمقراطية وحقوق الإنسان أمراً ينطبق على اليهود فقط ولا ينطبق على العرب. وعلى هذه القاعدة تنسحب رؤيته على مجريات تقصي الحقائق كاملة.

تبدأ المسرحية بإعلان الصلاحيات المنوطة بعمل اللجنة وتوضيح أنها لجنة تقصي حقائق وليس لجنة تحقيق، لا تصدر أحكاماً ولا تدين طرفاً على حساب الآخر، ولا يترتب على عملها أي إجراء قانوني، "إنها للعلم بالشيء فقط، لا الحكم عليه" كما قال كارل. 

يقول كاتب المسرحية أحمد رفيق عوض إن المسرحية ورغم النزاع الظاهر بين الفلسطيني والإسرائيلي، فإنها تبحث في تحولات الضحية الفلسطيني التي تتآلف مع الألم ثم تقبله وقد تعتبره شرعياً ثم تبحث عن سبل التعايش معه

لكن اللجنة تصطدم بمحاذير ومحددات إسرائيلية من حيث حق إسرائيل في استدعاء من تشاء من الشهود وتحديد الأمكنة التي يمكن للجنة زيارتها ومراقبة سير عمل اللجنة ومهماتها كاملة تحت ذريعة حمايتها، مقابل تسهيلات مفتوحة من الجانب الفلسطيني.

ورغم تشديد رئيس اللجنة على الحياد والموضوعية، فإن عضوها ليفي يدعو المحققين إلى "عدم التورط العاطفي" مع السكان، وعدم الاقتراب أكثر من الحالات (ويقصد الفلسطينيين بالطبع) بسبب ما وصفها بتعقيدات الصراع.

ثم يتدخل للحديث عن الصلة الخاصة لليهود بهذه الأرض وادعاءاتهم القوية ذات المصداقية، على عكس شعوب وجماعات أخرى. ثم يضيف "يجب أن نكون واضحين.. إننا لا نأتي هنا دون معلومات ودون خلفيات وإلا كان عملنا يشبه الكيميائي الذي يعمل في مختبر وهذا ليس مختبراً.. ونحن لسنا كيميائيين".

ويعود ليفي للتذكير بأن اللجنة تدفع ثمناً أخلاقياً خاصة لإسرائيل "التي عادة لا تقبل مثل هذه اللجان". وعندما يرد رئيس اللجنة "نأخذ بعين الاعتبار حساسية الجميع"، يقول ليفي "ليس الجميع سواء".

الشرق أنثى
أما ريكهارت فلم لم يرَ في الواقع الفلسطيني إلا جزءاً من الشرق من خلال افتتانه بجمال زميلته "خديجة"، والشرق كما وصفه "أنثى أنجبت الديانات العاطفية ولم تستطع السيطرة على العالم". وفي السياق تقع خديجة في فتنة هذا الرجل وتستسلم له. وهو ما سيستغله ليفي لاحقاً في استبعادهما عن اللجنة خشية تعاطفهما مع القرية الفلسطينية.

وخلال التحقيق يبرز النزاع الفلسطيني الإسرائيلي على الجغرافية والتسميات، حيث يرفض الإسرائيليون استخدام مصطلح "مستوطنة"، بل هي "قرية يهودية في أرض إسرائيل" كما قال شابيرا ممثل إسرائيل في التحقيق.

وعندما يحاول رئيس اللجنة التوضيح أنها تقع على أراضي 1967 وهي أراضٍ محتلة وفق القانون الدولي، يعترضه عضو اللجنة ليفي بالقول إنها أرضٌ لم تكن تخص أحداً عندما "سيطر" عليها الجيش الإسرائيلي، لذلك هي متنازع عليها ويقترح الابتعاد عن توصيفها بسبب هذا النزاع. 

وبينما يحاول الطرف الفلسطيني ممثلاً بالسيد محمود تفنيد ذلك بالقول إن المستوطنة أقيمت على أراض خاصة يملكها فلسطينيون عام 2004، يرد شابيرا بأن أحداً لم يتقدم للمحكمة الإسرائيلية للمطالبة بها، أو أن الفلسطينيين لا يملكون وثائق صحيحة.

وعند استدعاء اللجنة لزيارة المستوطنة، يغرق شابيرا في خلق سياق تاريخي لبطولة المكان اليهودية من خلال ما سماه "الاشتباك العظيم بين يهودا واليونان"، وهذه المكانة التاريخية الدينية كانت حافزاً لسكان المستوطنة الذين جاؤوا استجابة لنداء الكتاب المقدس من الولايات المتحدة، وأسموها "كفار صقر" بمعنى "الأرض المغطاة بالأحمر بعد الاشتباك العظيم". 

الكاتب أحمد رفيق عوض خلال توقيع المسرحية (الجزيرة)

وعندما اعترضت خديجة بأن "صقر" اسم لطائر جارح يعيش في المنطقة، قال إن له أيضاً معاني أخرى من بينها الكسر والضرب والشدة، وهي معان قريبة من الاشتباك والمواجهة! فوافقت خديجة قائلة "أنت أدرى، أنت ابن المكان".

وفي السياق، يشار إلى القرية الفلسطينية "كفر صقر" التي ما زالت تعيش حياة بدائية بسبب عدم توفر شبكة المياه ويتضاءل فيها حجم النشاط الزراعي وليس لها سوى طريق واحد فقط يمر من المستوطنة ومن بوابة يحرسها الروسي اليهودي "بافلوف". 

ويعدد شابيرا أسباب ما يراه تخلفاً، ويعزو ذلك إلى أن سكان القرية رفضوا الشراكة في المياه والنشاط الزراعي المتطور في المستوطنة.

بالمقابل، يتحدث رئيس بلدية "كفر صقر" أبو سليمان عن واقع القرية التي صادرت المستوطنة أراضيها، وقُطعت عنها المياه وسُدت الطريق الوحيدة المؤدية إليها، وفي هذه الرواية مطابقة لواقع حقيقي تعيشه منطقة غرب رام الله وقرى كثيرة في الضفة الغربية.

ويضيف أبو سليمان أن مختار المستوطنة قرر بعد المذبحة قطع الاتصال بالقرية، "لقد أنكروها وأرادوا (صلحة) على الطريقة العربية فقط لأنهم اعتبروها مشاجرة، وأبدوا استعداداً لدفع الدية"، وبعد رفض السكان ومطالبة الفلسطينيين بتحقيق دولي قطعوا الطريق ولم يُعَد فتحه إلا عند حضور اللجنة الأممية.

ليس الجميع سواء
وفي مطلب الفلسطينيين بالعدالة من خلال تجريم المستوطنين على قتلهم العشرات الذين كانوا يستقلون حافلة عائدة للقرية، يذكّر ليفي بنظريته عن ضرورة تقنين حقوق الإنسان، "الغرب هو الذي وضع القوانين وهو الأقدر على تفسيرها وتطبيقها". 

وبرأيه، فإن الفلسطينيين عندما يطالبون بالمساواة مع الإسرائيليين فإنهم يطلبون المطلق، لأنه "ليس الجميع سواء" وعندما يطلبون المساواة "بالدم" فإنهم سيخسرون. 

وخلال الاستماع للشهود، تبدو الرواية الفلسطينية مرتبكة، ويستغل ليفي ذلك ليشكك في رواية أبو سليمان الذي تلقى اتصالاً من سائق الحافلة ليعلمه بالمذبحة، وقال إنه لم يوجد في المكان وقتها. ثم ينتقد استخدامه تعبيرات دينية مثل "لا حول ولا قوة إلا بالله".

ثم يأتي الاستماع لرئيس مجلس محلي المستوطنة كلاين سلاندر، الذي يبدأ بالحديث عن حقهم والظلم الواقع عليهم وعن تاريخ تخليه عن مهنة التدريس ببروكلين في نيويورك من أجل العودة إلى "أرض الميعاد" وعن صلاته كل صباح، وعن التحريض الديني من الفلسطينيين وخاصة عبر مسجد القرية.

وتعبر اللجنة عن إعجابها بتخصصه في العلوم الدينية (القبالاة)، رغم قوله أيضاً إنه لم يوجد وقت المذبحة في المستوطنة، فإن اللجنة لم تهتم لذلك ولم تجد أسئلة خديجة بهذا الخصوص الاهتمام الكافي.

وكما هو متوقع، فإن شهود العيان من القرية لم يتمكنوا من الإدلاء بشهادتهم بسبب فرض منع التجول عليها لأيام وإغلاق الطريق المؤدية إليها تماماً، ثم اعتقال عدد من أعضاء اللجنة التي شكلتها القرية للتعاون مع لجنة تقصي الحقائق. وقد بررت إسرائيل ذلك بحملة لملاحقة السيارات المسروقة. 

تعد "المستوطنة السعيدة" ثالث عمل مسرحي للكاتب، بعد مسرحيتي "تشرشل" الصادرة عام 2008، و"الأميركي" الصادرة عام 2010 بطبعتها الثانية، إلى جانب سلسلة طويلة من المؤلفات أشهرها رواية "القرمطي" ( 2003) و"العذراء والقرية" (2010 بطبعة ثالثة) و"بلاد البحر" (2010 بطبعة ثالثة بالإيطالية)

ثم تأتي شهادة حارس المستوطنة الروسي لتقتصر على روايات سمعها عن تورط الفلسطينيين في سرقة سيارات وتجارة مخدرات ومن بينهم سائق الحافلة التي وقعت بها المذبحة، واعتقاده أن ما حدث مجرد تصفية حسابات بين السائق وتجار المخدرات والسيارات المسروقة.

وبعد عام من عمل اللجنة بلا نتائج، تقوم الأمم المتحدة بإنهاء مهمتها واستبعاد خديجة وريكهارت بدعوى أنهما أظهرا انحيازاً لأحد الأطراف خلال التحقيق. ثم تعود لتشكيلها مجدداً من عضوين فقط هما ليفي رئيساً، وكارل عضواً.

وخلال هذه الفترة سيسافر حارس البوابة إلى الولايات المتحدة، ويقتل مسؤول أمن المستوطنة الذي ذهب للقتال خلال الهجوم على غزة، بينما يعتقل الإسرائيليون سائق الحافلة الفلسطيني وفي ظروف ما يقتل داخل زنزانته.

وفي النهاية، صدر تقرير اللجنة بتبرئة المستوطنين من دم أبناء القرية من دون أي شكل من التعويض، بل عزا الجريمة إلى تصفية حسابات بين تجار المخدرات والمسروقات، وأوصى بإنشاء أوضاع كفيلة بالفصل بين التجمعات السكانية (المستوطنة والقرية).

وهنا تدعو السلطة الفلسطينية أهالي القرية للتظاهر السلمي ضد التقرير، لكنهم يعزفون عن ذلك إلا قلة منهم، مما يدفع السلطة لاستجلاب متضامنين أجانب ويهود ونشطاء من أجل التظاهر قريباً من المستوطنة برفع الأعلام وترديد الهتافات فقط. 

ويلخص أبو محمد ابن القرية خلال المظاهرة ردة فعل الفلسطينيين بالقول "نحن نفوز بالعطف والبكاء أما هم فيفوزون بالأرض". 

لكن الكاتب في النهاية يعطي أملاً في خيار أحد صبية القرية وابن أحد الشهود الذي اعتقل لاحقاً، عندما رفض المشاركة في المظاهرة، وطلب إلقاء السلام على أمه، قبل قوله إن لديه ورفاقه "خطة أفضل".

تحولات الضحية
يقول كاتب المسرحية أحمد رفيق عوض إن المسرحية ورغم النزاع الظاهر بين الفلسطيني والإسرائيلي، فإنها تبحث في تحولات الضحية الفلسطيني التي تتآلف مع الألم ثم تقبله وقد تعتبره شرعياً ثم تبحث عن سبل التعايش معه.

ويطرح الكاتب سؤالاً سياسياً هل كان ذهاب القيادة الفلسطينية إلى المفاوضات مرة أخرى من دون وقف الاستيطان ترجمة لتحولات الضحية التي جاءت بها المسرحية؟ وإن كُتبت قبل العودة للمفاوضات.

ثم يتساءل أيضاً هل كان واقع الضحية الفلسطيني هذا مقبولاً ونهائياً؟ وفي هذه الحالة كيف يمكن تغيير واقع الضحية وإعادتها إلى دورها الكلاسيكي غير القابل للألم والتعايش معه؟ 

المسرحية التي تتعرض لأحد أهم أشكال الاشتباك مع الاحتلال، تواجه محاولة جر الثقافة الفلسطينية وحرفها عن مسار الثقافة المقاومة وعن دورها النقدي لواقع الخسران الذي يعيشه الفلسطينيون، والمستوطنة السعيدة تعبير عن هذا الخسران

وبرأي عوض فإن الضحية الفلسطينية هنا ليست ضحية الاستيطان ومشروع الهيمنة الصهيوني فحسب، بل أيضاً ضحية مئات السنين من الرؤية الغربية المستعلية التي تنظر للشرق باعتباره قادراً على تقبل العذاب والتعايش معه.

وكذلك الذي يمكن إفساده بالأموال ومن خلال ما وصفها "ثقافة ما بعد الوطنية وما بعد البطل" من خلال تمويل المظاهرات وتكييفها كي لا تشكل أي خطر على الطرف المعتدي.

وتعيد "المستوطنة السعيدة"، حسب عوض، طرح الحاجة للضحية بصورتها الكلاسيكية التي تقدس ترابها ودمها وتاريخ أجدادها.. إنها في الحقيقة "تريد العودة إلى الوراء في التاريخ.. ولا تريد مجرد تصريح دخول للقرية المحاصرة".

مواجهة حرف المسار
ويرى الأمين العام لاتحاد الكتاب الفلسطينيين مراد السوداني في المؤلف الجديد كتاباً استثنائياً، من حيث الشكل الكتابي القليل، حيث الكتابة المسرحية مساحة غير مطروقة جيداً في الثقافة الفلسطينية لقلة الكتاب المسرحيين ومختصي النقد المسرحي.

ويعتقد السوداني أن المسرحية، التي تتعرض لأحد أهم أشكال الاشتباك مع الاحتلال، تواجه محاولة جر الثقافة الفلسطينية وحرفها عن مسار الثقافة المقاومة وعن دورها النقدي لواقع الخسران الذي يعيشه الفلسطينيون "والمستوطنة السعيدة تعبير عن هذا الخسران" كما قال.

ويقول السوداني إن النقد الذي تقدمه المسرحية للنضال الفلسطيني الذي تحول من الكفاح المسلح وبات "مدفوع الأجر" من قبل المؤسسات المانحة والمتضامنين الأجانب واليهود، يمثل دور ضبط البوصلة الذي على المثقف الضلوع به عند انحراف السياسي.

كما يرى في المسرحية مقاربة تحاول تشخيص الواقع بأنها حالة احتراب لا محاورة بين الضحية والغازي، وشدد على أهمية ترجمتها للغات أخرى كما ترجمت أعمال عديدة للكاتب أحمد رفيق عوض. 

وتعد "المستوطنة السعيدة" ثالث عمل مسرحي للكاتب، بعد مسرحيتي "تشرشل" الصادرة عام 2008، و"الأميركي" الصادرة عام 2010 بطبعتها الثانية، إلى جانب سلسلة طويلة من المؤلفات أشهرها رواية "القرمطي" ( 2003) و"العذراء والقرية" ( 2010 بطبعة ثالثة) و"بلاد البحر" ( 2010 بطبعة ثالثة بالإيطالية).

المصدر : الجزيرة