ملصق معرض جورج على جانبي متحف "القصر الكبير" بباريس (الجزيرة)
يوعلام رمضاني-باريس
 
في فضاء "القصر الكبير" الواقع بقلب الشانزليزيه بباريس تظهر أعمال رائد التكعيبية الفرنسي جورج براك (1882 ـ 1963) بعد أربعين سنة من وفاته بمعرض تضمن أكثر من 220 لوحة من إبداعات الفنان الذي عاصر بابلو بيكاسو الذي حجبت شهرته الجميع، وغطت حتى على عبقرية الفنان الفرنسي المبدع.
 
وشهد المعرض الاستعادي الذي ينظم حتى نهاية العام الجاري، إقبالا كبيرا من الجمهور  وهو يأتي في إطار شراكة بين متحف "القصر الكبير" المذكور ومركز بومبيدو الثقافي. ويتضمن 220 لوحة من ألمانيا والدانمارك والولايات المتحدة الأميركية واليابان وسويسرا وتشكسلوفاكيا ومن بلدان أخرى أخرى غطت 57 عاما من إبداع معاصر بابلو بيكاسو وضحيته.
 
وبحسب النقاد الذين لاحظوا وتيرة الإقبال في الأسبوع الأول يمكن لمعاصر التشكيلي الأندلسي بابلو بيكاسو أن يصنع المفاجأة كما فعل صاحب لوحة "غارنيكا" الشهيرة عام 2009 حين ارتاد معرضه حوالي 800 ألف زائر.

ويغطي معرض مؤسس التعكيبية ومبتكر تقنية الأوراق الملصقة كل مراحل التجربة الفنية التي بدأت عام 1907 حينما كان في سن الرابعة عشرة وانتهت عام 1963 تاريخ وفاته في 31 أغسطس/آب.

 المعرض الاستعدادي لجورج براك جلب  زوارا من شرائح وأعمار مختلفة (الجزيرة)

بيكاسو.. الصديق والمنافس
وعكست اللوحات التي مثلت مراحل مختلفة من مساره الفني تأثرا واضحا بمعاصريه وبصمات تجاوز وتجديد أكدت فرادة موهبته وخصوصيته وإضافاته الإبداعية اعتبارا من مرحلة التوحشية في لوحات مناظر من منطقتي "الإيستاك" و"سيوتا" العزيزتين على قلب براك، والعاكستين لطبيعة أخاذة مرسومة بألوان صارخة وزاهية وترفع اللثام عن ظلال التأثر بسيزان وماتيس.

هذه المرحلة التي قدمه فيها الشاعر أبولينار إلى بيكاسو لم تدم طويلا واعتبرت مرحلة البداية التقليدية الحتمية قبل تبني التكعيبية التحليلية والتركيبية اعتبارا من صيف عام 1908 تجسيدا لمقاربة فنية جديدة، من خلال لوحات "العارية" و"الطبيعة" المرسومة عام 1909 و"المنضدة" و"حاملات القرابين" و"الكمان" و"الغليون" وغيرها.

بعد ربطه صداقة مع بيكاسو لم تمنع تسابقهما الشريف إبداعيا من خلال رد براك بتقينة البناء الورقي إثر ابتكار الأول تقنية الكولاج، طور الثاني نهجه عام 1918 بتنويعه المواد وإعطائه أهمية أكبر للفضاء المرئي واللمسي (نموذج لوحة المدخنة) الأمر الذي جعل بعض الزائرين يعجبون بقدرته على دفعهم للمس المواد المرسومة وخاصة حينما تعلق الأمر بلوحات الآلات الموسيقية وفاكهة الطبيعة الميتة كما رسمها في لوحة "فاكهة على سماط" عام 1925.

وعن مثل هذه اللوحات كتب يقول براك "لا يهمني الموضوع في مثل هذه اللوحات بقدر ما تهمني الأحاسيس التي تثيرها، ومن البلاهة والعبث القول للمشاهد هذه اللوحة تمثل كذا وأخرى كذا، الأمر الذي يحد من الإشعاع الحسي غير المتناهي".

المعرض الذي يشكل حدثا ثقافيا من العيار الثقيل أعاد منظموه الاعتبار للتشكيلي الذي حجبته شهرة بيكاسو

التوازن  والعمق
في مطلع الثلاثينيات كرس براك تكعيبيته بإعطائها بعدا إنسانيا وفنيا عمق حبه بالموسيقى وتوازن مقاربته التشكيلية المزاوجة بين الظلال والأضواء والفضاءات في حلة إيقاعية تبعث على التأمل الشاعري.

دخل براك في مطلع الأربعينيات مرحلة جديدة (1944 ـ 1949) بسلسلة من لوحات لعبة البلياردو التي حول بها المشاهدين إلى لاعبين وتلاها بمرحلة الورشات (1949 ـ 1956) التي أضحت موضوعا محببا لديه مثلها مثل لعبة البيليادو التي مثلت تيمة أساسية في القرن العشرين.

وصاغ براك فنيا هذه المواضيع الفنية المختلفة في قالب تكعيبي مرتكز دائما على تناغم مدروس ومتوازن بين مختلف العناصر التشكيلية، خلافا لبيكاسو الذي أسهب مغامرا في رسم البورتريهات حسب أحد نقاد تلك المرحلة.

وقبل أعوام قليلة من رحيله وبعد أن رسم عام 1953سقف قاعة هنري الثاني بمتحف اللوفر مشكلا من العصافير، دخل براك مرحلة جديدة (1954 ـ 1962) ميزت عطاءه بواسطة سلسلة من اللوحات التي تحولت فيها العصافير المتوجهة نحو أفاق رحبة وغير محدودة إلى مصدر إبداع تشكيلي وشاعري مثل "العصفور الأسود والعصفور الأبيض" عام 1960.

وبهذه اللوحات مهد لنهاية العودة إلى الحنين الفني الأول (1955 ـ 1963) فرسم على طريقة ماتيس مجددا مناظر قرية "فارانجيل" الطبيعية التي كان يقضي فيها عطله الصيفية تعبيرا عن ارتباطه بعطر الأرض التي أغمض عينيه بها للأبد  يوم الواحد والثلاثين أغسطس/آب 1963.

المعرض الذي يشكل حدثا ثقافيا من العيار الثقيل أعاد منظموه الاعتبار للتشكيلي الذي حجبته شهرة بيكاسو، ولم يخطئ  وزير الثقافة الفرنسي الأسبق أندريه مالرو حين نظم له يوم وفاته جنازة وطنية في يوم ممطر في مثل هذا الشهر الخريفي.           

المصدر : الجزيرة