غلاف رواية "الملاك الأبيض" للإسباني خوسيه لويس سامبيدرو (الجزيرة)
هيثم حسين

يقدم الإسباني خوسيه لويس سامبيدرو في روايته "الملاك الأبيض" صورا لتشبّث الإنسان بأرضه وأهله وتاريخه من خلال تفعيل دور الذاكرة التي تؤصل القيم والعادات والتقاليد المميزة وتحافظ على الخصوصية، وتقف حاجزاً في وجه محو الملامح وتحول دون الانسياق وراء الآخر أو تبعيّته بعيدا عن أي إحساس بالمسؤولية.

"سامبيدرو" الذي أصبح عام 1990 عضوا في الأكاديمية الملكية الإسبانية، ابن لأب كوبي وأم جزائرية يبرز في روايته –ترجمة غزوان الزركلي، وزارة الثقافة، دمشق 2013- دورَ الفرد في المحافظة على بذور حضارة مهددة بالاندثار، بحيث يكون الكائن الحي شريان الحياة بين التاريخ والمستقبل، والوريد الذي يضخ دماء متجددة تمنح حضارة الشعب الاستمرارية والمعاصرة.

يعالج سامبيدرو جانبا من التفاني في خدمة الذاكرة الجمعية، وتمسك المرء بأصالة الشعب الذي ينحدر منه، وعدم الشعور بالحرج من واقع الحال

متحف الذاكرة
الفلاح "سالفاتوره رونكونه" المنحدر من منطقة كالابريا من الجنوب الإيطالي يتشبّث بأرضه وجذوره رغم محاولات الانتزاع التي يتعرض لها بطريقة أو أخرى. يداهمه مرض السرطان، فيسعى ابنه المقيم في مدينة ميلانو إلى عرضه على الأطبّاء في محاولة منه للتخفيف من آلامه.

يمر سالفاتوره الذي يرافق ابنه إلى ميلانو، في طريقه بروما التي يتوقّف فيها، يمضي بعض الوقت في انتظار ابنه في زيارة أحد المتاحف، يجذبه تمثال طيني من الفترة الإتروسكيّة. يجسد التمثال رجلا وامرأة تعلو وجههما ابتسامة مميّزة تخلد في ذاكرته، فيتذكرها لاحقا وتساهم في تنشيط ذاكرته التي ترسم المتحف بكل تفاصيله، ولاسيّما التمثال.

يعالج سامبيدرو جانبا من التفاني في خدمة الذاكرة الجمعية، وتمسك المرء بأصالة الشعب الذي ينحدر منه، وعدم الشعور بالحرج من واقع الحال. ذلك أن بطله سالفاتوره الذي يجد نفسه بميلانو، يكتشف جوانب مختلفة في الحياة، يستمتع برفقة حفيده الصغير "برونيتينو"، يلاحظ تبدل شخصيّته ومشاعره رويدا رويدا، يتحول شعوره من التوجس من الآخرين، وحتى ابنه وكنّته وحفيده ضمنا، إلى تقبل لهم، ثم تودّد إليهم، وبعد ذلك يتبلور لديه شعور بالاندماج معهم وبينهم.

يظهر الكاتب صورا لجماليات الحياة والأصالة والأمل وسط مداهمة المرض القاتل، فبطله المصاب بالسرطان لا يفقد أي أمل، تراه يتحدث عن حياته الماضية بعنفوان، وهو الذي حارب في الحرب العالمية الثانية، وكان ضمن الفدائيّين، حقق كثيرا من الإنجازات، لا يرضخ لسطوة المرض ولا لتفتيته جسده ونخره، بل يعاند ويتمسك بأحلامه، يناجي حفيده، يكشف له عن أفكاره، دون أن يعتقد أن حفيده لا يستوعب ما يقوله له، بل يقتنع أنه سيدرك فحواه ذات يوم.

يكون العجوز وفيّا لحضارة شعبه، وتكون المفاجأة بالنسبة لكنته التي لم تتقبل بداية فكرة وجوده معهم وطريقته في العيش وتدخلاته، حين تكتشف أنه يتردد على الجامعة ويكلف بإعطاء محاضرات عن منطقته وطبائعها وعاداتها وأعرافها، وكان يجد في ذلك متعته الكبرى، لشعوره بأنّه يحمي ذاكرة شعبه من الاندثار والضياع. يجد متعته في الحكايات التي يحكيها، يبالغ أحيانا في شططه وتخيلاته، وإن كان يدرك أنه يبالغ لكنه يضفي على حكاياته أجواء ملحمية تتناسب وزمن الفرسان الذي يشعر أنّه كان يعيشه.

يجد سالفاتوره نفسه محاصرا بالحب في أيامه الأخيرة من الحياة، وهو الذي ظل محكوما بعداوات صغيرة تعاظمت معه

الحب تطهر
يظهر سامبيدرو أنه يمكن للإنسان أن يحقق آماله في الحياة وإن كان يدرك أن أيامه باتت محدودة، وأن نهايته قريبة، ثم يصف كيف أن الحب الذي يحاط به المرء ينقذه من مشاعر الكآبة، ويدفعه إلى الرحيل عن الحياة ببسمة وبهجة. كما يشير إلى ضرورة أن يكون كل امرئ بالنسبة للآخر ملاكه الأبيض وليس شيطانه الذي يحول حياته إلى جحيم ويبقيه أسير وساوس تفتك به.

لا يبقى الملاك الأبيض في الرواية مقتصرا على شخصيّة بعينها، وإن كان هناك تصريح بأن الملاك الأبيض هو الطفل الصغير الذي يجمّل حياة الجد، ويبقيه متأملا ويشعل جذوة الحب في قلبه، ويبثّ تغييرا في حياته ويغيّر وتيرتها.

ويكون الجدّ بالمقابل الملاك لابنه وزوجته ينقذهما من حالة التشتت التي يعانيانها، ويعيد التوازن إلى حياتهما الرتيبة بشيء من عفويته وممارساته الفطرية التي لم تعكرها قيود المدينة بعد. كما يكون الآخرون ملائكة الجد البيض ينتشلونه من قيعان يأسه.

الحبّ ملح الحياة، هكذا يجد سالفاتوره نفسه محاصرا بالحب في أيامه الأخيرة من الحياة، وهو الذي ظلّ محكوما بعداوات صغيرة تعاظمت معه، وأشهرها عداوته المتنامية مع غريم له في القرية، لا ينفك يتمنى له الشر ويكيد له بالمثل.

والحب الذي يلاقيه في رحلته الأخيرة يعوّضه عن حرمانه السابق. حبّ حفيده ينتشله من هاوية اليأس، يحرس حفيده ليل نهار، يستمتع برفقته، يسر له بمشاعره وأسراره. ويكون الحب الآخر المكمل لمشهد الجمال في حياته، وهو حبّه للأرملة أونتيسا التي تشاركه الأيّام المتبقّية له في الحياة.
وهو في الوقت نفسه يظل مرتبطا بحب كبير هو حب أرضه وتاريخ شعبه وأساطيرهم وطرق معيشتهم، بحيث إن حبه اللامحدود يقوي جسده العليل ويبقيه متحديا للمرض الفتاك أطول فترة ممكنة.

يظهر سامبيدرو أهمية إيلاء الاهتمام بالجوانب المشرقة لأية حضارة دون الانتقاص من شأنها، وذلك في سعي لتكامل حضاري بعيدا عن فكرة التصادم والتصارع، ذلك أن تقبل الآخر والاستماع إليه يهيئ الأرضية لتغيير المواقف المسبقة والأحكام الجاهزة المتداولة، ليصبح المعيار السائد معتمدا على الكفاءة والمشاركة في رسم اللوحة الإنسانية المنشودة التي يكون التناغم والانسجام من أهم أسسها.

المصدر : الجزيرة