أحد زوار معرض نيرودا بالعاصمة التشيلية سانتياغو يتأمل صورة نيرودا وإحدى قصائده (الأوروبية)
 
كان ريكاردو رييس باسولاتو قد نبغ مبكرا في شعره حتى قبل أن يتحذ من بابلو نيرودا اسما كان له وقع السحر على مساره لاحقا، كتب باسولاتو باسم مستعار (نيرودا) واشتهر به، لكنه لم يغادر إحساسه بالبسطاء والكادحين وذاع صيته كأحد رموز اليسار على الساحة الأدبية قبل أن يرحل بعد أيام من انقلاب أوغستو بينوشيه في تشيلي عام 1973.
 
وتحيي تشيلي اليوم الذكرى الأربعين لرحيل الشاعر والسياسي الثوري اليساري وصاحب نوبل 1971 بابلو نيرودا في ظروف غامضة بعد أيام على الانقلاب الذي نفذه الجنرال أوغستو بينوشيه وحكم إثره البلاد بقبضة حديدية، وبعد بأيام أيضا من مقتل صديقه المقرب الرئيس المنتخب سلفادور أليندي.
 
وبحسب الرواية الرسمية لنظام بيونشيه، توفي بابلو نيرودا بسبب إصابته بمرض السرطان، لكن هذه الرواية كانت مرفوضة من الجميع، غير أن تشيلي ما زالت تنتظر نتائج فحوصات الطب الشرعي للتثبت مما إذا كان نيرودا قضى فعلا بسبب السرطان وأنه اغتيل قبل مغادرته البلد التي كانت مقررة بعد أيام.
 
استخراج رفاة نيرودا في أبريل/نيسان الماضي لأخذ عينات لتحديد سبب الوفاة (الأوروبية)
لغز الوفاة
وفي هذا السياق، تأتي ذكرى رحيله الأربعين في ظل توتر كبير، على ما يقول قريبه رودولفو رييس، ويضيف "نحن حريصون على معرفة نتائج فحوصات الطب المرتكزة على عينات من عظام بابلو نيرودا، والتي تجري في تشيلي وإسبانيا والولايات المتحدة".
 
فبعد معركة قانونية طويلة، جرى نبش قبر بابلو نيرودا في أبريل/نيسان الماضي لأخذ عينات من رفاته. ويقول رييس "كلنا نريد أن نعرف ما هو السبب الحقيقي لوفاته"، مبديا أسفه لقلة التعاون والاهتمام من قبل الحكومة التشيلية ومؤسسة نيرودا التي تدير إرث الشاعر الراحل.

ويقول مانويل آرايا السكرتير الشخصي والرجل الموثوق لبابلو نيرودا إن الشاعر اغتيل عشية سفره إلى المكسيك. ووفقا لهذه الاتهامات التي تعود إلى أربعين عاما والتي تعززها إفادات شهود وتقارير طبية، فإن نيرودا تلقى حقنة قاتلة قبل ساعات على وفاته.
 
ويتحدث الشهود عن اغتيالٍ أمر بتنفيذه الجنرال بينوشيه تجنبا لأن يتحول بابلو في المنفى إلى رمز للمعارضة الرافضة للانقلاب. ولم يسلم نيرودا من مضايقات نظام بينوشيه، ففي أحد الأيام داهم جنود بيته لتفتيشه، فقال لهم "ابحثوا في كل مكان، لن تجدوا عندي أخطر من القصائد".

يساري الهوى

بابلو نيرودا وإلى جانبه زوجته وهو يتحدث للصحافة أثناء عمله سفيرا في فرنسا عام 1971 (الفرنسية)
ولد بابلو نيرودا في مدينة صغيرة تدعى بارال وتقع في جنوب تشيلي، وذلك في الثاني عشر من يوليو/تموز 1904، واسمه الحقيقي ريكاردو نفتالي رييس باسويالتو. فقد أمه بعيد ولادته، ونشأ في كنف والده وزوجته.

كان يساري الهوى ودفعه قلقه على بلاده والحرب الأهلية الإسبانية إلى الانخراط في العمل السياسي، وأصبح مسؤولا في "التحالف التقدمي الوطني" قبل أن ينضم إلى الحزب الشيوعي بتأثير من زوجته الثانية دليا ديل كاريل.

وبعد حظر الحزب الشيوعي، عاش نيرودا في الخفاء إلى حين فراره من البلاد إلى الأرجنتين في العام 1948 ومنها إلى فرنسا وإيطاليا قبل أن يعود إلى بلده في العام 1953. وأثناء إقامته في المكسيك، تعرف في العام 1949 إلى مغنية الأوبرا "ماتيلدا أوروتيا" التي أصبحت في ما بعد زوجته الثالثة.

ولدى عودته إلى تشيلي، ترشح إلى الرئاسة، لكنه انسحب لصالح الاشتراكي سالفادور أليندي الذي فاز في الانتخابات في الرابع من سبتمبر/أيلول 1970 وعينه سفيرا في باريس. وهناك فاز بجائزة نوبل للآداب في العام 1971.

وصف الروائي الكولومبي الأشهر غابرييل غارسيا ماركيز الشاعر بابلو نيرودا بأنه من أفضل شعراء القرن العشرين في جميع اللغات، كتب نيرودا "عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة" وقبلها وبعدها كتب الكثير، امتازت قصائده بالحزن والرومانسية والحس المرهف والغضب أيضا وكان الجانب الاجتماعي والسياسي حاضرا بقوة في قصائده.

ومثلت مرحلة حياته بإسبانيا انقلابا في توجهاته الشعرية باتجاه المباشرة والتقليص من الرمزية، فهناك أدرك الحرب الأهلية وفقد صديقه الشاعر فيديريكو غارسيا لوركا الذي قتل غدرا أثناء الحرب. بعدها تقلب شعره بين العودة إلى الرومانسية والثورية، وبعد مرضه لازمه نوع من الإحباط من المشهد الانقلابي ببلده.

المصدر : الجزيرة,الفرنسية