غلاف رواية "غرفة أبي" للكاتب اللبناني عبده وازن (الجزيرة)
هيثم حسين

يطرح اللبناني عبده وازن في "غرفة أبي" كثيرا من الأسئلة التي لا يبدو أنه ينتظر إجابات عنها، يطلقها في بحر الواقع والفكر لتحفّز على البحث والتنقيب والنبش والمناقشة، يستفيض في حديث عن الذات والوطن، مستحضرا صورا ومصائر وحكايات كثيرة.
 
يكتب عبده وازن سيرته الذاتيّة (عن منشورات ضفاف، بيروت 2013) انطلاقا من غرفة أبيه، تلك التي ظلت على مدار عقود مسماة باسمه ومنسوبة إليه، دون أن يفلح الزمن في تغيير الاسم مع تبدل شاغلي الغرفة من أبناء وضيوف، ومع شغورها تاليا.

التسمية التي تتحدى الاندثار تبدو تشبثا من الأسرة بالأب الذي رحل وهو في الثامنة والأربعين من عمره. والكاتب الذي يبلغ الثانية والخمسين من عمره -أي أكبر من أبيه حين رحيله- يستعيد شخصية أبيه بناء على الصور القليلة التي يختزنها في ذاكرته، وتلك الصور التي تحتفظ بها أمه في صندوق خشبي كتذكار من أبيه.

صور ومصائر يبوح الكاتب في سيرته المتقاطعة مع سيرة أبيه أو المضمّنة فيها بكثير من الاعترافات

سيرة متقاطعة
يكتب وازن الذي فقد أباه "قيصر" وهو ابن عشر سنين، كيف ظل الأب الغائب حاضرا معه في مختلف مراحل حياته. يمهد بجملة نوفاليس التالية: "لا يشعر الفتى بالأمان إلا في غرفة أبيه" لدخول عالمه وماضيه وحاضره.

والأمان المفترض الذي يبحث عنه الكاتب أو يشعر به يتبدد في رحلة البحث عن الذات والأب، ويظل القلق المثمر هو الطاغي والمثوّر والباعث على الأمان في جزيرة الأدب والحياة.

صور ومصائر يبوح الكاتب في سيرته المتقاطعة مع سيرة أبيه أو المضمّنة فيها بكثير من الاعترافات، وكأنه يقدم شهادته على أجيال العائلة وأفرادها، يفصل في كشفه النقاب عما تكتم عليه من خصوصيات يكاشف أباه بها، وهو الذي يعترف أكثر من مرة أن غياب الأب أصعب من وجود أب تصطدم به أو تحبه أو تحترمه.

حديث الصور يحتل حيزا هاما في "غرفة أبي" وبوح الكاتب، فينتقل من صورة إلى أخرى، وكل صورة تكون مرتبطة بحادثة وزمان ومكان، أو تؤرخ لمرحلة أو منعطف في تاريخ الأب، وربما في تاريخ البلد برمته، ذلك أن الصورة تكون بوابة إلى التاريخ، وبين ثناياها الكثير من التفاصيل الصغيرة والخطوط اللامرئيّة التي يستذكرها الكاتب ويستفيض في استجلائها، وإبداء وجهة نظره المعاصرة فيها، وذلك دون أن يرهن الوقائع التاريخية لمنظار الراهن وأحكامه.

مصائر معاصري الأب ومعارفه بدورها تحضر بقوّة في سرد الكاتب سيرة وطن من خلال غرفة أب، يسترجع ما تعرّض له لبنان من انقسامات خطيرة، وما أنهكه من حروب أهلية متعاقبة أفقدته رونقه، وحطمت أحلام بنيه بتأسيس دولة عصريّة.

يحدّث أباه الحاضر الغائب عن سنة 1958 وإنزال القوات الأميركية في لبنان، ينطلق من تلك النقطة التي كان الأب شاهدا عليها إلى التذكير بالمحاور السياسية والأحلاف المتعارضة المتعاركة التي كانت أرض لبنان مسرحها وميدان تصفياتها، ثمّ كيف أن تلك المعارك كانت بسيطة لا تكاد تُذكَر بالمقارنة مع ما تلاها عام 1975 وما بعده، والتي شوهت معالم المدينة، فضلا عن بنيها.

غرفة الأب تكون نافذة للكاتب كي يطلّ منها على الواقع والتاريخ والفكر والأدب، وشرفة للتعبير عمّا يشعر به إزاء الكثير من الموضوعات

شرفة البوح
لا يسعى وازن إلى استحضار الأب بغية "قتله" رمزيا، بل يستحضره بنوع من المناجاة، ورغم أنه يكبره حين رحيله، فإنه لا يزال يجد أباه أكبر منه، ويحاول إعادة رسم صورته من منظار الابن المحتفي بأبيه وحضوره المتجدّد في حياته.

وهو لا يني يكرّر أنه لا يدري إن كان يكتب إليه رسالة أم عنه، ويقر بكرهه لفن الرسائل، إلا أنه يجد نفسه منغمسا في كتابة رسالة بوح وشهادة ابن على تاريخ أبيه وبلده.

تكون غرفة الأب نافذة للكاتب كي يطل منها على الواقع والتاريخ والفكر والأدب، وشرفة للتعبير عما يشعر به إزاء الكثير من الموضوعات والمكتشفات والأفكار، وتراه يستحضر كثيرا من الأدباء الذين كتبوا عن الأب بطريقة أو أخرى، وكأنه بصدد إجراء بحث أدبي يسبر فيه خفايا العلاقة بين الأدباء وآبائهم، يتّفق مع بعضهم ويختلف مع آخرين، يفترض بعض المواقف والخبايا ويؤوّل أخرى.

يعترف بانجذابه إلى تلك الأعمال التي تصوّر العلاقة المبهمة الغامضة بين الأب والابن. ومن أولئك الأدباء الذين يقارب نظرتهم للعلاقة بين الأب والابن والتباسها نوفاليس، ونيتشه، وكافكا، وأنطونان أرتو، وبازوليني، ومحمد شكري وسهيل إدريس، وجان بول سارتر، وهاملت، ودوستوفسكي، وبول أوستر، وأورهان باموك وغيرهم.

يعترف الكاتب بأن ذاكرة الطفولة تستيقظ أحيانا في ما يشبه المعجزة، فيبصر وجوها وأشخاصا ومناظر يفاجأ كيف يتذكرها بقوة وصفاء. أما أبوه فلا يتذكّره إلا من خلال الصور وبضعة ملامح تلوح في عتمة الرأس.

كتب وازن سابقا جزءا من سيرته في كتابه "قلب مفتوح" (2010)، الذي عاد فيه إلى ذكرياته واستقى منها مادته، تحدث عن بدايات اصطدامه بالواقع وتعرفه إليه، كتب سيرته الذاتية التي لا تنفصل عن سيرة أسرته، وحيّه، ومدينته، ووطنه.

تحدّث صاحب "الفتى الذي أبصر الهواء" عن الطفولة التي عاشها، وعن فقده الباكر لأبيه، وعن نهوضه بأعباء لم تكن تخطر له على بال فيما سبق، وعن كرهه لشعور الشفقة من قبل الآخرين عليه، وعن مأساة اليتم القاهرة.

وهناك مفاهيم وقناعات شكلت خلفيته الفكرية والثقافية لم يغفلها وازن الذي كتب أيضا عن المرض، وعن حبّه الأوّل، وعن الجسد والروح والليل والدين والفنون والحروب الأهليّة التي حفرت عميقا في وجدانه وروحه وجسده.

المصدر : الجزيرة