إبراهيم صموئيل
 
إذا كان من الطبيعي والمتفق عليه أن ثمة عشرات الطرائق والسبل لتكريم المبدع حين يهرم، تقديرا منا لما أبدعه، فإن من المؤكد (ولكنْ من غير المتفق عليه) أنه ليس من بين هذه السبل تشجيعه -أو توريطه على الأصح- بالمزيد من الإنتاج والمزيد من الظهور الإعلامي رغم إصابته بـ "فساد العقل من الكِبَر" وفق تعريف ابن منظور للخرف.
 
على نحو مضمر أو معلن، يسود في الأوساط الثقافية اعتقاد خاطئ يرى أن الإقرار بالخرف (حين يتعلق بالمبدعين) يمثّل انتقاصا من قيمة الكاتب، وحطّا لمكانة الفنان، وإهانة لدورهما الثقافي أو تنكّرا لماضيهما الإبداعي.

في حين أن الخرف في حدّ ذاته لا يمتّ إلى حكم القيمة بصلة، ولا يرتبط بمنظومة الأخلاق، ولا يقلل من شأن منجزات المصاب به، أيّا كانت صفته، أو كان منصبه، أو موقعه، أو حقل نشاطه، على غرار أمراض عديدة تصيب القلب أو المعدة أو غيرهما من الأعضاء.

إننا نرجو لأقربائنا وأحبائنا عمرا طويلا، كما نرجوه لأدبائنا وفنانينا، لكنْ من المؤكد أننا لا نرجو لهم جميعا أن تُصاب عقولهم بالخرف!

هل من باب التكريم أن يُدعى شاعر لبناني ذائع الصيت -وبعد أن تجاوز عمره الثمانين- إلى بلد عربي، فيتعثر بكلامه في الجلسات ويسهو عن موضوعه ويُطلق أحكاما نقدية ما أنزل الله بها من سلطان...

الأمر هنا ليس أمر أمنيات ورجاءات، بل يتعلق بسلوكنا إزاء مَنْ نحب ونقدّر حين يهرمون، وبكيفية الحفاظ على مكانتهم وأشخاصهم وما أنجزوه من إنتاجات كبرى كانت السبب في ائتلاقهم وتميّزهم وصيرورتهم نجوما مشعّة في سماء ثقافتنا.

فإذا كنا في الحياة الاجتماعية العامة -وحرصا على رعاية صورة أحبائنا- نسعى إلى ألا يتزيّدوا في الكلام، وألا يطيلوا من المشاركة في أوقات اللقاءات، وألا يبالغوا في إطلاق الأحكام النقدية، فالأحرى أن نشدد الحرص على مبدعينا الكبار الذين هرموا وباتوا في سن حرجة، لأن كلامهم وإنتاجهم لا يتبدد في الهواء ولا ينقضي بانقضاء الجلسة، وإنما يبقى محفوظا على الورق والأشرطة لأجيال وأجيال.

ولهذا، فتقدّم المبدعين في السن وكلل قدراتهم وتشتت أذهانهم يستدعي من أحبائهم وأقربائهم والدوائر اللصيقة بهم، وكذا من المنابر المختلفة أن يبذلوا ما في وسعهم لا للحيلولة دون "فساد عقولهم" -فهذا جزء من الطبيعة لا سبيل لمنع حدوثه- بل لعدم نشر إنتاجهم في ظل واقع خرفهم، وعدم تشجيعهم والدفع بهم للمشاركة على الطالع والنازل في المهرجانات والندوات بذريعة: تقديرهم وتكريمهم!

هل من باب التكريم أن يُدعى شاعر لبناني ذائع الصيت -وبعد أن تجاوز الثمانين من عمره- إلى بلد عربي، فيتعثر بكلامه في الجلسات، ويسهو عن موضوعه ويُطلق أحكاما نقدية ما أنزل الله بها من سلطان، ويُسكت الجميع ليواصل نثر مِزَق من خواطره، إلى أن يبدأ الغمز واللمز بين الموجودين، ويدبّ الهرج وتعلو الشفاه ابتسامات السخرية، أو الشفقة في أحسن الأحوال!

وما المرجو من السعي الحثيث والعنيد للحصول على تسجيل حوار تلفزيوني في منزل شاعر سوري كبير أصيب بالمرض الشديد، فبات جراء ذلك متورّم الجسم، بعين مفتوحة وأخرى نصف مغمضة، يتأتئ ويُفأفئ، ويتساقط رماد سيجارته على صدره، وتغور كلماته في حلقه فلا تُسمع غير الغمغمات.. إلى آخر ما يهين نجوميته التي كان عليها، وحيويته التي عُرف بها، وعمق تعبيره، وما شابه مما تميّز به يوما؟

ويحار المرء في الدافع (غير التجاري الإعلاني طبعا!) الذي يحض أفراد دائرة مقربة من مطربة لبنانية شهيرة قارب عمرها التسعين على طلاء وجهها بالأصبغة، والاستعانة بثلاثة شبان أشداء لتستند إليهم في وقوفها على المنصة بغية تأدية أغنية تحتاج إلى حيوية الجسد ونشاطه، كانت أدتها منذ خمسين أو ستين عاما، ثم لتغادر القاعة والجمهور محمولة على النحو الذي استقبلت به.

والأمثلة على هذا الأسلوب في التكريم المهين لا تُعد ولا تحصى إزاء روائيين وشعراء وفنانين تشكيليين ومطربين وغيرهم.

منذ نحو عشر سنوات، نوى الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل اعتزال الكتابة في الصحافة فنشر مقالين متتالين "مستأذنا بالانصراف" وذلك لأنه كان يقدّر "أن أي حياة -عمرا وعملا- لها فترة صلاحية بدنية وعقلية"، معتقدا أنه "من الصواب أن يقرَّ كل إنسان بهذه الحقيقة، ويعطيها بالحسِّ -قبل النص- واجبها واحترامها"، ومفضلا أن يتساءل القراء والناس "لماذا يستأذن هذا الرجل في الانصراف متعجّلا؟" بدلا من أن يكون سؤالهم "لماذا يتلكأ هذا الرجل متثاقلا؟"

إذا سلّمنا بالقول إن المبدع يصعب عليه -أو يستحيل- أنْ "يخلع قميصه" بنفسه على غرار الرياضيين في قمة عطائهم، أفلا يجدر بالمحيطين به المقربين منه أن يساعدوه على "خلع قميصه" حين يهرم ويتقدّم بالسنِّ

ولا شكّ أن الفارق بين التساؤلين شاسع وخطير، كالفارق بين حافظ لماء إبداعه وشخصه وهادر لهما عبر المكابرة أو التجاهل، أو عبر التوهم المصدق لقرع طبول المحيطين به ورنين مباخرهم الضاجة من حوله، فيستمر في الإنتاج، ويوافق على الظهور في كل مناسبة صغيرة أو كبيرة!

وإذا سلّمنا بالقول إن المبدع يصعب عليه -أو يستحيل- أنْ "يخلع قميصه" بنفسه -على غرار الرياضيين في قمة عطائهم- أفلا يجدر بالمحيطين به المقربين منه أن يساعدوه على "خلع قميصه" حين يهرم ويتقدّم بالسنِّ، وأن تتوقّف المؤسسات الثقافية عن التهليل والتكبير لكل ما ينتجه، دافعة به إلى المحافل، وبكتاباته إلى المطابع وهو في "أرذل حال"، بدنا وذهنا شاءتها له الحياة جرّاء بلوغه أرذل مراحل العمر؟

أليس كل ما يجري إنما يجري تحت أكذوبة كبرى: تكريم المبدعين والتذكير بهم؟

وكان الأحرى أن يكرّموا ويذكّر بهم من خلال عشرات الطرائق والسبل، بعضها القليل: رعاية شيخوختهم وتأمين عيشهم، وإعادة نشر أعمالهم وتوزيعها على المؤسسات والمنتديات والأفراد بأسعار رمزية وطباعة فاخرة تليق بهم وبمستوى إنتاجاتهم، وقيام هيئات متخصصة بالتعريف بهم عبر وسائل الإعلام وفي أوساط الأجيال الجديدة الشابّة خاصّة، وكذا أن يصار إلى ترجمتها لعدد من اللغات الأجنبية، وما إلى ذلك من تكريم حقيقي وتذكير فعّال.

هذا لو صفت النوايا وأخلصنا لهم وأردنا التعبير عن تقديرنا لأعمالهم، لا أن نكون داخلين في تنافس مريب لكسب السبق الإعلامي عبر لقاءات متلفزة وحوارات منشورة مع العديد منهم ممّن بلغوا من العمر سنّا هرمة، وحلّ الوهن بإمكاناتهم الذهنية، وأصابهم الخرف على غرار إصابته الناس جميعا.

المصدر : الجزيرة