عبد الله كسكين: الثقافة العربية موغلة في القدم والتأثير (الجزيرة)
حاوره في إسطنبول/ هيثم حسين
 
انعكس عشق الكاتب والناشر التركي الكردي عبد الله كسكين لصوت أم كلثوم الذي أسره، وللموسيقى العربية عموما، على عمله، وكان لذلك دور كبير في جذب اهتمامه إلى الثقافة العربية، فحرص على انتقاء مؤلفات عربية مختلفة لترجمتها إلى التركية والكردية ونشرها.
 
أسس كسكين دار "آفيستا" للنشر والترجمة سنة 1996 في إسطنبول، وكانت أول دار كردية مرخصة في تركيا. شكل ذلك في تلك الحقبة اختراقا للذهنية المتحجرة، كما شكل جسرا لزيادة التواصل والتفاعل بين الثقافتين واللغتين التركية والكردية، دون أي إقصاء أو تهميش أو استعلاء.
 
وسع كسكين مجال اهتمامه لاحقا ونشر ترجمات من أكثر من سبع عشرة لغة، كان للعربية نصيب هام منها. بالقرب من ميدان تقسيم التاريخي، وفي أحد الأزقّة المتفرعة عن شارع الاستقلال بإسطنبول، يستكمل كسكين عمله الذي بدأه منذ سنوات، وهناك التقته الجزيرة وكان الحوار التالي:

كان تأسيسك لدار "آفيستا" خطوة هامّة نحو صيغة جديدة من التواصل والحوار بين الثقافتين التركية والكردية، حدّثنا عن البدايات والمعوقات؟

ترجمنا العديد من الكتب من حوالي سبع عشرة لغة إلى التركية والكردية وكانت حصّة الأدب العربي منها العديد من الكتب

بحكم دراستي للأدب التركي، واهتمامي بالثقافة الكردية والتركية، وحرصي على إيجاد أطر للتواصل بين الثقافات سعيت لتأسيس مرتكزات ثقافية نبني عليها ونردم عبرها الفجوات الموجودة، وحين رفع المنع سنة 1992 عن اللغة الكردية، أشرفت على إصدار مجلة "وَلاتْ - الوطن"، كما ساهمت في تأسيس بعض المجلات والمشاريع الثقافيّة التي لم يكتب لها الاستمرار لسبب أو آخر، وبفعل ظروف عديدة متقاطعة.

انتقلت إلى النشر وتحدّيت المعوقات المتمثلة بالسجن والمنع والقمع. كانت البداية بالنسبة لنا محفوفة بالمخاطر، فبعد الترخيص رفعت الكثير من الدعاوى بحقنا (تجاوزت العشرين) خضت المغامرة وباشرت بطباعة أربعة كتب كانت منطلقا للعمل والاستمرار، نشرنا حتّى الآن بحدود خمسمائة كتاب.

في السابق كانوا يختلقون لنا الإشكالات ويمنعون كتبنا وكانت كلمات من قبيل كرد وكردستان ممنوعة، لكن بعد 2007 خف هذا الضغط وتلاشى تقريبا. وقد دفعنا العقوبات والغرامات التي فرضت علينا من سجن ونقود.

بعد حوالي سبع عشرة سنة من الاستمرار والانتشار كيف تنظر إلى خريطة النشر لديكم بين التصوّر والواقع؟

-كان في ذهننا تصوّر واسع، فنوعنا في منشوراتنا في الثقافة والسياسة والأدب والفلسفة وغيرها، استمر ذلك لأكثر من عقد من الزمن، تبلورت بعد ذلك هوية الدار وتوجهها، فاستقررنا على الثقافة والأدب.

لاحظت نقصا حادا في المكتبة التركية بالنسبة للثقافة العربيّة. وهذه نقطة سلبية ربما تعود في جذورها إلى النظرة التي ينظر بها قسم كبير من الأتراك إلى ثقافة الجيران الذين كانوا تابعين للسلطنة العثمانية سابقا

ترجمنا العديد من الكتب من حوالي سبع عشرة لغة إلى التركية والكردية وكانت حصة الأدب العربي منها العديد من الكتب. اهتممنا بالآداب العالمية والآداب الحديثة، واستحدثنا سلسلة خاصّة باللغة التركية بعنوان "رياح الشرق" خصصناها لترجمة الآداب الشرقية إلى التركية، كما بدأنا بسلاسل أكاديمية واستشراقيّة وفلسفية. نطبع بعدة لغات بينها الإنجليزية والفرنسية، فضلا عن التركية والكردية، ونسعى دوما للتوسع في هذا المجال.

أين موقع الأدب العربيّ من اهتمامكم ومنشوراتكم، وإلى أيّ حدّ ساهمت ترجماتكم من العربية في تحقيق التقارب بين الثقافات العربية والتركية والكردية؟

-الأدب العربي أدب عريق، والثقافة العربية ثرية وموغلة في التأثير والقِدم. وأنا أرى هذه الثقافة كأنها ثقافتي وهي ثقافة هامة للشرق والعالم أجمع. وكما هو معلوم أن لكل جغرافية وتاريخ وشعب شخصيّة وهوية.

قرأت في صغري القرآن الكريم، وكنا نتابع في مناطقنا الحدودية القنوات السورية والعراقية. كنت أسمع الموسيقى العربية التي أثّرت في تكويني وتنشئتي، أسرني صوت أم كلثوم الذي عشقته، كما استمتعت بأغاني فيروز وصوتها. وكان هذا ممّا ربطني بالجانب الثقافي ودفعني إلى الاهتمام أكثر، وحرصت على ترجمة ما يمكن ترجمته من اللغة العربية إلى التركية والكردية.

كما أنني لاحظت نقصا حادا في المكتبة التركية بالنسبة للثقافة العربيّة. وهذه نقطة سلبيّة ربما تعود في جذورها إلى النظرة التي ينظر بها قسم كبير من الأتراك إلى ثقافة الجيران الذين كانوا تابعين للسلطنة العثمانية سابقا. كما ينظرون نظرة شرقيّة إلى تلك الثقافات، ذلك أن لكل مكان شرقه الخاص به الذي يؤثر على نظرته للآخرين.

وهناك نقطة أخرى في الترجمة إلى التركيّة، ذلك أن أوروبا تشكل بوصلة الترجمة، ما إن يشتهر كاتب أو شاعر في أوروبا حتى يلفت الانتباه، ويعرف طريقه إلى الثقافة التركية والترجمة، وهذا أيضاً من الأخطاء التي نقع فيها في تركيا، لأننا نتعرف إلى العربي عن طريق الآخر البعيد. وقد رأيت في هذه الحالة مشكلة، وسعيت لكسر هذه النمطية والقيود المفروضة، فتوجّهت إلى اختيار كتب من الأدب العربي لترجمتها.

هناك أدب عربي ثري للغاية لكن مشكلة النقل والترجمة تحول دون الاستمرار كما نحلم، كما أن هناك بعض الإهمال من جانب دور النشر العربية في هذا المجال

في سلسلة "رياح الشرق" ترجمنا للتركية عدّة كتب، منها: "ذاكرة للنسيان" لمحمود درويش، "لا بحر في بيروت" لغادة السمّان، وعدّة دواوين لأدونيس. كما ترجمنا إلى الكرديّة رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي، و"فقهاء الظلام" لسليم بركات، و"أنشودة المطر" لبدر شاكر السيّاب، ونشرنا كذلك كتاباً عن أمّ كلثوم "كوكب الشرق"، فضلاً عن نشرنا للعديد من الأبحاث عن الثقافة العربية والتاريخ العربي.

وكيف هي علاقتكم وتواصلكم مع الجانب العربيّ ودور النشر العربية؟


- أثّر ضعف التواصل بين الثقافة العربية والتركية على علاقتنا مع دور النشر العربية. نعاني أحيانا من انعدام المترجمين من العربية إلى التركية. وقد ركز الإسلاميّون على ترجمة الكتب الدينيّة في حين أهملوا المؤلّفات الأدبيّة.

أما بالنسبة للغة الكردية، فهناك مترجمون أكفاء من العربية إلى الكردية، وذلك لأن هناك عددا من الكتّاب المهمّين من أكراد سوريا والعراق يتقنون اللغتين ويكتبون بهما ويترجمون منهما وإليهما.

أعلم أن هناك أدبا عربيا ثريا للغاية لكن مشكلة النقل والترجمة تحول دون الاستمرار كما نحلم، كما أن هناك بعض الإهمال من جانب دور النشر العربية في هذا المجال، ومؤخرا سنح مشروع "كلمة" بأبو ظبي فرصة هامة أطل على الأدب الكردي وترجم ثلاثة من الكتب التي كنّا قد أصدرناها، ومن جانبنا سنسعى دوما إلى اختيار مؤلفات عربية لترجمتها كي نظل على تواصل دائم مع هذه الثقافة الهامة التي تستحق منا كل اهتمام وتقدير.

المصدر : الجزيرة