حسن عبد الله الشرفي: عشقت كل ظل ينبض بالحياة في صنعاء (الجزيرة)
حاوره/عبد الغني المقرمي
 
قبل خمسين عاما كتب قصيدته الأولى لتنهال عليه بعد ذلك أمطار الشعر في تجربة طويلة، يتماهى فيها العامي بالفصيح والذاتي بالموضوعي والفكري بالسياسي، موثقا علاقته بالشعر بسبعة مجلدات مطبوعة من أعماله الكاملة، وأربعة أخرى تنتظر الطبع.

كتب الشاعر اليمني حسن عبد الله الشرفي الشعر في سن مبكرة، وهو بعد في قرية المحايشة التي ولد فيها عام 1944، تميز بغزارة إنتاجه وقدرته الفائقة على تطويع اللغة ومفرداتها وسياقاتها الجمالية ليثري المشهد الأدبي اليمني بإنتاجات ملفتة كرّسته ضمن القامات الشعرية الكبيرة باليمن.

الجزيرة نت التقت الشرفي وحاورته بشأن تجربته مع الشعر والحياة.

بين مجموعتك الشعرية الأولى "من الغابة" الصادرة عام 1978 وآخر نص كتبته، ما أهم التحولات التي يمكن الحديث عنها في تجربتك الشعرية؟

- ثمة برزخ بين النظم والشعر، وأعترف أن النظم كان مهيمنا على بداياتي، ثم لما وعيتُ الشعر جاءت القصيدة وفي وجهها كل ماء الشعر، وهذا أهم تحول في تجربتي يمكن أن أرصده هنا، ولأن الشعر سفر إلى فضاءات بعيدة من المتعة اللذيذة والتعب المدهش، فإن إخلاصي له في تنام مستمر، مما يجعل تجربتي منفتحة بشكل دائم على كل جديد جميل يضيف إلى فنية القصيدة شيئا، وفي اعتقادي أن حيوية النص وتجدده أمر مطلوب في أي تجربة كانت.

رغم أنك ابن الريف المخلص في عفويتك وبساطتك فإنّ لمدينة صنعاء حضورا باذخا في شعرك.. فما سر هذا الحضور؟

أنا والبردوني صوتان شعريان، لكل منهما حنينه وأشواقه، وربما تقاسمنا بعض ملامح الشجن بفعل التوحد المكاني والزماني، لكن ذلك لا يعني تماهيا شعريا بيننا بأي حال من الأحوال

- علاقتي بصنعاء تعود إلى أكثر من نصف قرن، حين قدمت إليها طالبا من قريتي في ريف حجّة، ويومها تخلقت أمشاج عشقي الجنوني لها، وفي عام 1993 قررت الانقطاع إليها كلية، وأصبحت زياراتي إلى قريتي نادرة، وهي رغم ندرتها مسكونة بالحنين إلى صنعاء، التي عشقت فيها أزقّتها وقبابها ومشربياتها ومآذنها وأسواقها العتيقة، وكل ظلّ ينبض بالحياة فيها.

وقد أثمرت هذه الحميمية عشرات القصائد، ومجموعة شعرية كاملة هي "ديوان صنعاء"، وأذكر أن أول نص كتبته في هذه المعشوقة الآسرة كان مطلعه:

لصنعاءَ أمِّ المؤمنينَ الأوائلِ
نذرتُ فروضي في الهوى ونوافلي

ثمة من النقاد مَن يرى اقتراب تجربتك كثيرا من تجربة الراحل عبد الله البردوني، وبعضهم يرى أنّ ذلك ليس اقترابا بقدر ما هو سعي لشغل كرسي البردوني الشاغر منذ وفاته عام 1998.. فما قولك؟

- هذا اتهام غير مبرر، وقد طُرح علي كثيرا وكانت إجابتي واضحة ومحدّدة، بأن الأستاذ البردوني وجه اليمن الثقافي والفكري، وقد أحببت فيه اليمنَ في بؤسها وغناها، وفي تاريخها وخصوصيتها، وقد أوضحت ذلك في مقدمة مجموعتي الشعرية "ديوان البردوني".

ورغم أنني لم ألتق الرجل إلا بعدد أصابع اليد، وتهاتفنا بمثل ذلك، فإن كلا منا كان يقدر صاحبه حق قدره، وقد كتبت فيه نصوصا عديدة بعد موته طبع بعض منها في الديوان المذكور.

أنا والبردوني صوتان شعريان، لكل منهما حنينه وأشواقه، وربما تقاسمنا بعض ملامح الشجن بفعل التوحد المكاني والزماني، لكن ذلك لا يعني تماهيا شعريا بيننا بأي حال من الأحوال.

أنت متهم أيضا بالإكثار في الكتابة.. فما مردُّ ذلك؟ وهل يؤثر الكمي على النوعي في تعاطيك مع القصيدة؟

- أنا صديق حميم للقصيدة. أعطيتها خمسة عقود من عمري، ولم يشغلني عنها مال ولا جاه ولا منصب، فقد كانت –وما زالت- هي المال والجاه والمنصب، ومن دلائل إخلاصي لها أن نوافذي وأبوابي مشرعة لها على الدوام، بل إنني لا أجد ذاتي إلا في حضورها، فهل من الحكمة أن أصدها، وأزورُّ عنها هروبا مما قد يسميه البعض إكثارا؟؟

أما عن الشق الثاني من سؤالك، فعلى مدى تاريخ القصيدة العربية كان هناك شعراء مكثرون، ولم يقل أحد بأن الكمّ في تجاربهم انعكس سلبا على النوع، وقد نوقشت أعمالي في سبع رسائل ماجستير ورسالتي دكتوراه، وتناولها عدد من النقاد في اليمن ومصر وسوريا والعراق، ولم يشر أحدهم إلى أنَّ تجربتي تأثرت بسبب هذا الإكثار.

أنت تكتب القصيدة العامية والفصيحة.. فأين تجد نفسك أكثر؟

أنا صديق حميم للقصيدة. أعطيتها خمسة عقود من عمري، ولم يشغلني عنها مال ولا جاه ولا منصب

- أجد نفسي في النص المكتمل مبنى ومعنى، كيفما كان شكله وكانت هويته، وقد اعترفت بالإخفاق غير مرة بطباعة بعض أعمالي، لكن محبة النص عند الشاعر –أي شاعر- كمحبة الولد لا يمكن التفريط فيها، وعليه فأنا أب محب لكل نصوصي التي تمثل امتدادي الحقيقي في ذاكرة الزمن.

في ضوء سكوت الشعراء عن مستجدات الساحة العربية.. هل يمكن القول إن القصيدة صمتت؟

- الربيع العربي بدا وكأنه الحلم المنتظر، فتساقطت في سبيله رؤوس وعروش، ما كان في حسبان أحد أن تسقط، وقد كان كذلك حتى دخل على الخط مَن يعملون لحساب الفوضى الخلاقة، أو الشرق الأوسط الجديد، أو سايكس بيكو الثانية، فشاخت الساحات وتجمّد المشهد، ودخل الجميع خيمة شتاء قارس، ووجدت القصيدة نفسها في هذا الواقع العدمي، لكن القصيدة تصمت ولا تموت.

المصدر : الجزيرة