غلاف رواية "ولدتُ ثماني مرات" للتونسي صابر منصوري (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
نعرف الكاتب التونسي صابر منصوري من خلال أبحاثه المثيرة حول الديمقراطية والإسلام، لكن ما نجهله عنه هو موهبته الروائية الكبيرة التي تتجلى بقوة في نصه الذي صدر حديثا عن دار نشر "سوي" الباريسية، ويستحضر فيه المراحل الأولى من حياته في منطقة "الجبل الأبيض" (شمال غرب تونس) خلال فترة حُكم بن علي.

ولسرد روايته التي تحمل عنوان "وُلدتُ ثماني مرات" وتقع في ٣٢٠ صفحة، استعان الكاتب بشخصية رئيسية طريفة تدعى "مصير" وتلعب دور الراوي الذي يقرر سرد قصته لنا على أثر استنتاجه خيانته لنفسه وتخليه عن النظرة الحقيقية والشاملة الوحيدة التي تقول وتحدد الطريق بشكل حاسم.

يتبيّن لنا أن الحياة لم تدلل الراوي/الكاتب الذي اكتسب حس المسؤولية منذ طفولته وبدأ باكرا بالتفكير والتساؤل حول كل شيء وبالتصرف بحزم لكن بدون أن يشعر يوما برضى عن حالته، لكن ذلك لا يعني أنه لم يعرف السعادة إطلاقا.

يتوقف مصير بإسهاب في عملية سرده عند ممارسته مهنا مختلفة، بموازاة دراسته

سيرة ومسيرة
برقّة بالغة نراه يصف ولادته على التلة الحمراء المقابلة "للجبل الأبيض"، أي في مكان ريفي شكلت الطبيعة ومجموعة من العائلات أفقه الوحيد والمعالم التي ستكيّف هويته، كما يصف منزله التقليدي الذي لم تكن تتوفر فيه الكهرباء ولا ماء الشرب، ولُعَبه التي انحصرت بالأشياء التي وضعتها الطبيعة في تصرّفه، ورعاية الماعز التي اضطلع بها منذ نعومة أظافره.

وبالرقّة نفسها، وبتفاصيل لا تحصى، يصف دخوله في سن السادسة إلى المدرسة الابتدائية ومتعة الدراسة وتعلم اللغات، وخصوصا اللغة الفرنسية "الجميلة، الغريبة، الأنيقة"، كاشفاً التباين الاجتماعي الظاهر بين أطفال الفقراء وأطفال الأغنياء ومستحضرا ذكرياته الطيّبة مع أساتذته وتوجهاتهم السياسية وعقوباتهم وإهاناتهم وشتائمهم التي كانت ضرورية -في نظره- "لصقل شخصياتنا".

ونظرا إلى فقر عائلته، يتوقف مصير بإسهاب في عملية سرده عند ممارسته مهنا مختلفة -بموازاة دراسته- لكسب القليل من المال وتحسين ظروف عيشه. فبعد تربية الجديان ورعاية الماعز، سنجده داخل المدرسة ناشطا في بيع ثمار برّيّة، ثم داخل سوق المدينة ناشطا في بيع الحلازين التي كان يلتقطها في أرجاء الطبيعة مع أخته، ثم الماء فالمشروبات الغازية والصحف القديمة، قبل أن يتعاون مع والده لبيع الألبسة العتيقة.

ثماني مهن مارسها "مصير" تفسّر عنوان الرواية، لكنها لن تمنعه من تحصيل شهادة البكالوريا ودخول الجامعة طالبا في قسم التاريخ حيث سيعرف خيبته الأولى بسبب تخصيص الجزء الأكبر من الحصص في هذا القسم لتاريخ بلده، بينما كان مصير يأمل دراسة تاريخ جميع الشعوب.

ومن هذه المرحلة، يستحضر ظروف عيشه في حرم الجامعة وخارجها متوقفا بالتفصيل عند التوجهات الأيدولوجية للطلاب الذين ترواحوا بين يساريين وإسلاميين وقوميين عرب وأتباع لمذهب المتعة، قبل أن يكلّف نظام بن علي شرطته السياسية بمهمة اضطهادهم.

أما خيبة مصير الثانية فستأتي نتيجة تعيينه أستاذا في مدرسة "الجبل الأبيض" بعد تخرّجه، حيث سيعاني الأمرّين بسبب بؤس معاشه وعدد التلامذة الكبير الذي سيتم تكليفه بتعليمهم. وعلى المستوى العاطفي أيضا سيعرف مصير خيبة كبيرة، فالفتاة التي أحبها وهو مراهق ستتزوج من مفوض شرطة شاب، والشابة التي أحبها في الجامعة ستكون من نصيب صديقه.

يكشف منصوري بعدا سوسيولوجيا مهمّا في روايته يتجلى أيضا عبر المعطيات الغزيرة التي تتضمّنها الرواية حول مواضيع مختلفة

سرد وتوثيق
وعلى أثر هذه الخيبات المتتالية، يقرر مصير في النهاية الرحيل إلى العراق للبحث في مكتبات هذا البلد عن ترجمة عربية لكتاب أرسطو "السياسة". أما الدافع الذي يقف خلف هذا القرار فهو حضوره محاضرة لفيلسوف فرنسي أشار فيها إلى أن إهمال مترجمي أرسطو العرب ترجمة كتابه المذكور -دون غيره- خلال القرون الوسطى، يشكل دليلا على تناقض الديمقراطية مع ذهنية العرب منذ البداية.

وتشدّنا هذه الرواية بأسلوبها المباشر والبسيط ولغتها السهلة وبتوجه منصوري فيها باستمرار إلى قرائه محاولا تكهن رغباتهم وتوقعاتهم بالنسبة إلى عملية سرده، مما يمنح نصها بعدا شفهيا يعزّز خطابها، كما تشدّنا بالاستطرادات الغزيرة فيها حول أحداث تاريخية وسياسية مختلفة تعود غالبا بنا إلى مرحلة الاستعمار الفرنسي، ولكن أيضا إلى عهد بورقيبة وعهد بن علي الذي لا يوفر الكاتب فرصة بدون فضح جوره وفساده.

لكن أهمية هذه الرواية تكمن خصوصا في الوصف الدقيق داخلها للأماكن والشخصيات والأطباع والذهنيات والعادات في منطقة "الجبل الأبيض"، مما يسمح بتشكيل فكرة واسعة عن حياة سكان هذه المنطقة وجمال طبيعتها وتنوّع تقاليدها.

وهو بالتالي يكشف بعدا سوسيولوجيا مهمّا يتجلى أيضا عبر المعطيات الغزيرة التي تتضمّنها الرواية حول مواضيع مختلفة، كالمنازل التقليدية في منطقة "الجبل الأبيض" وأسواقها الشعبية ومدارسها ووضع التلاميذ والأساتذة فيها.

وفي الرواية يسلط منصوري الضوء على وضع الجامعة التونسية خلال عهد بن علي أو وقفته الطويلة عند طقوس الزواج التقليدي في تونس الذي يكرّس له ٥٠ صفحة من روايته نتعرّف فيها بالتفصيل إلى جميع التحضيرات والاحتفالات التي تتم في منزل عائلة العريس والعروس، ولكن أيضا إلى المشاكل والعوائق التي يمكن أن تقع بسبب الأقارب والجيران أو أحد أفراد العائلتين.

المصدر : الجزيرة