صلاح الدين بولوت: وددت تقديم أشياء ممتعة للقارئ لكن عتمة السجن ومرارته صعّبت ذلك (الجزيرة)
حاوره/هيثم حسين
 
في شارع الاستقلال الشهير في إسطنبول بتركيا يجلس الروائي الكردي صلاح الدين بولوت في مكتبته يعاين الواقع بعين الروائي الراصد، وأدوات الكاتب المنخرط في قضايا عصره. يختزن بولوت في ذاكرته وبين صفحات أعماله الأدبية أحداثا كثيرة، وسنوات من عتمة السجن، وتوقا دائما إلى الحرية.
  
في روايته الأخيرة "العاجز" يستعرض بولوت سيرة سجين سياسي يعاني حالة عجز ويخشى من الإفصاح عنها للآخرين لأسباب كثيرة. وصف فيها غربة السجين في عالم الحرية بعد عدّة سنين يقضيها في عتمة السجن وقيوده المنهكة للروح والجسد.

الجزيرة نت التقت الروائي بمناسبة صدور الترجمة العربية لروايته "العاجز" مؤخرا عن مشروع "كلمة"، وكان الحوار التالي:

النضال والسجن والكتابة. ثلاثيّة تشكل تجارب حياتية غنية، كيف كان التمهيد لهذه الثلاثيّة وأين؟

-ولِدت سنة 1954 في مناطق ديريك على أطراف ماردين، درست في مدارس نصيبين، أكملت تعليمي في ماردين، واشتغلت في سلك التعليم لسنتين. بعد الانقلاب العسكريّ سنة 1982 بقيت متواريا لعشرة أشهر لأنني كنت مطلوبا.

غلاف الترجمة العربية لرواية "العاجز" للكاتب الكردي صلاح الدين بولوت (الجزيرة)

وقد حاولت مع ثلاثة رفاق لي الهروب إلى سوريا وعبور الحدود خفية، لكننا وقعنا في كمين نصِب لنا، قتل منا واحد واعتقل الثلاثة الباقون. بعد ذلك ألقت السلطات بنا في سجن ديار بكر العسكريّ السيّئ الصيت، الشهير باسم "بيشنولو-  السجن الخامس". وهناك بقيت مسجوناً لثماني سنوات.

بعد السجن انتقلت للإقامة في إسطنبول، اشتغلت في عدة مهن قبل أن أستقر على مكتبة "ميديا" التي افتتحتها في أواسط التسعينيات، وذلك بدافع حبي وشغفي بالكتب والثقافة.
جرّاء ذلك عانيت من التضييق والتقييد من قبل السلطات، لأنني أروج الثقافة الكردية. وكانت تلك المرة الأولى التي يفتح فيها شخص مكتبة كردية في تركيا. كان الأمر هاما لي على الصعيد الشخصي. وكانت هناك مداهمات دائمة لمكتبتي واتّهامات واعتقالات عدة مرات، ليومين أو ثلاثة كل مرة.

أين تتقاطع سيرتك الذاتية مع سيرة بطلك "زيهات" في روايتك، ولاسيّما أن المشتركات بينكما كثيرة كما تقدم الرواية؟

-لاشك أن الكاتب يضفي من تجربته وشخصيته على روايته وأبطاله، يرسم أساسها في الواقع، ليتمكن من رسمها وتحريكها على الورق وبث روح متجدّدة فيها، لذلك فإن السجن بقسوته والحياة بضغوطاتها المتعاقبة تقاطعا ليرسما شخصيّة بطلي "زيهات" في روايتي "العاجز".

فزيهات أكثر من فرد واحد بعينه، هو أقرب ما يكون لظاهرة من حالة، فيه شيء منّي وأشياء من غيري. هو نتاج السجن والحياة وانجدال أوجاعهما. أردت نقل أمثلة كثيرة من الواقع عبر الرواية والشخصيات، فأنا أعرف بعض الحالات التي أصيب أصحابها بالعجز بعد خروجهم من السجن، وبعضهم لم يفلح في الإنجاب، ولم يستطع التصريح بمصيبته لأن الحديث عن ذلك مندرج في إطار التابوهات.

ما الجديد الذي تعتقد أنّك تضيفه إلى المدوّنة الغنية لما يسمى "أدب السجون" في المدونة السردية بشكل عام؟

السجن بقسوته والحياة بضغوطاتها المتعاقبة تقاطعا ليرسما شخصيّة بطلي "زيهات"
"

-قبل هذه الرواية قرأت لكتّاب كتبوا عن السجن، كتبوا عن الاعتقال والاعتداءات على النساء، لكنّني ركزت على انتهاك الرجال والاعتداء الجسدي عليهم، وقدمت هذا الجانب المعتم من حياة السجين بعد خروجه من السجن إلى الواقع ليصطدم بحقيقة مؤلمة وهي عجزه الجسديّ، وهذه فجيعة بالنسبة للرجل في المجتمعات الشرقية خصوصا، إذ يتعرّض للإيذاء اللفظي ويصبح عرضة للتندّر والاستهزاء من قبل الجهَلة وبعض المحيطين به.

حاولت تسليط الأضواء على العلل النفسيّة والمعاناة الجسديّة للسجناء بعد تحرّرهم من السجن ودخولهم سجن الحياة. عقد السجن تتعاظم وتتجدد مع كثيرين، يبقى السجن الداء الذي لا يمكن البرء منه، يتفاقم بتقادم الأيام.

ومهما يكن انفتاح هؤلاء وجرأتهم تراهم يتردّدون في البوح عما يكوي قلوبهم وأجسادهم والكشف عن حقيقة عجزهم على الملأ. زيهات لم يتجرّأ على الإفصاح عن عجزه سوى أمام الطبيب وبائعة الهوى، وكان ذلك باسم مستعار، وتحت ستار الخشية والممنوع والمرعوب. وبرغم ذلك لم يستطع تخطي عجزه. يخفي سرّه لأنه يدرك بأنه سيغدو مثار سخرية من قبل الآخرين.

كيف كان شعورك وأنت تتصفّح روايتك "العاجز" التي صدرت ترجمتها العربية قبل أسابيع، وماذا تقول للقارئ العربي الذي سيقرأ روايتك؟

أرى مأساة شخصيّتي "زيهات" ومأساة السجون فواجع صغيرة لا تقاس بهول الواقع المؤلم ومآسيه الكثيرة

-حين تُرجمت روايتي إلى اللغة العربيّة، ووصلت إلى يدي نسخة منها سعدت كثيرا، وبرغم عدم معرفتي باللغة العربية ولا قراءتها إلا أنني أتصفح روايتي بين الحين والآخر، أبتهج بها وأشعر بحياة جديدة فيها.

لا أدري كيف سيستقبل القارئ العربي روايتي المترجمة إلى لغته وسط واقع القتل والاقتتال والهجرة والجوع والحروب المستعرة في أكثر من بقعة في العالم العربي، ولا أدري إلى أي حد يمكن أن تجذب اهتمامه، لأن ما يراه في واقعه أقسى مما صورته في روايتي. لكن أتمنى أن يستمتع بقراءة ما كتبته.

ما تشهده الجغرافيا العربيّة هذه الأيام يبدو مفجعا، وأنا أرى مأساة شخصيّتي "زيهات" ومأساة السجون فواجع صغيرة لا تقاس بهول الواقع المؤلم ومآسيه الكثيرة التي يقع ضحيتها كثير من البشر.

صورت حياة مرهقة صعبة فيها من القسوة والوحشية ما فيها، كنت أود لو أستطيع تقديم أشياء ممتعة، لكنني لم أستطع ذلك، بل وجدت نفسي غارقا في عتمة السجن، وفي بحر المرارة والأسى والقهر. لذا أرجو أن يعذرني القرّاء إذا وجدوا روايتي مؤلمة. وأرجو أن أكون وفّقت في إيصال "لذّة القراءة" للقارئ وإن كان عبر قصص الألم والسجن والعجز والغربة.

المصدر : الجزيرة