غلاف كتاب "سورية: درب الآلام نحو الحرية" للدكتور عزمي بشارة (الجزيرة)
صدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب "سورية: درب الآلام نحو الحرية-محاولة في التاريخ الراهن" للدكتور عزمي بشارة، ويؤرخ الكتاب لوقائع سنتين كاملتين من عمر الثورة السورية، أي منذ 15 مارس/آذار 2011 حتى مارس/آذار 2013.

وفي هاتين السنتين ظهرت بوضوح الأسباب العميقة لانفجار حركة الاحتجاجات في سوريا، وتفاعلت في أثنائها جميع العناصر المحرِّكة الأساسية، اجتماعية أَكانت أم سياسية أم جهوية أم طائفية، ثم انفرجت الأمور عن المشهد الدامي لسوريا اليوم وعن درب الآلام الطويل نحو الحرية.

وهذا الكتاب (687 صفحة من القطع الكبير) يعد الأشمل والأعمق الذي ظهر حتى الآن عن الثورة السورية، فهو يجمع التوثيق إلى السوسيولوجيا والاقتصاد والإستراتيجيات في سياق تاريخي مترابط، وبمنهج التحليل الاجتماعي التاريخي معا.

يؤرخ عزمي بشارة لهذه الثورة في مرحلتيها: المدنية السلمية والمسلحة، ثم يرصد مظاهر الإستراتيجية التي اتبعها النظام السوري القائمة على قمع الثورة بالعنف الدامي والمتمادي

الثورة ومراحلها
وفي هذا الإطار لا ينشر الكتاب أي معلومة ما لم يكن متأكدا من صحتها، ولا يفسر أي حادثة ما لم يكن محيطا بجذورها وأصولها وأبعادها. لذلك جاء الكتاب ليسد فراغا معرفيا وتأريخيا من حيث تميزه عما كتب عن الثورة السورية، ومن حيث فرادته في التعليل والتحليل والتفسير والاستنباط والاستنتاج، وهي أمور لا بد منها في أي كتابة معمقة وعلمية وحيوية.
       
يؤرخ عزمي بشارة لهذه الثورة في مرحلتيها: المدنية السلمية والمسلحة، ثم يرصد مظاهر الإستراتيجية التي اتبعها النظام السوري القائمة على قمع الثورة بالعنف الدامي والمتمادي، مما أدى إلى توليد أنماط من العنف لم تكن مألوفة قط في سوريا، ثم يتحدث بالتفصيل عن الوقائع المتحركة التي شبت في المدن الرئيسية في سوريا، وكيف بدأت الحوادث سلمية ثم انتقلت إلى العسكرة وحمل السلاح لاحقا.

وفي سياق هذا العرض يدحض الكاتب المقولة الشائعة عن أن الثورة السورية هي ثورة أرياف مهمشة، ويبرهن أنها بدأت أولا في  المراكز المدينية للأطراف، ثم امتدت إلى الأرياف المهمشة في ما بعد. ولعل قراءته اللافتة للقاعدة الاجتماعية التي استند إليها حزب البعث هي من أعمق القراءات في هذا الحقل المعرفي.

فقد تناول الكاتب عملية الترييف وما نتج عنها من "لبرلة اقتصادية"، مما أدى، في ما بعد، إلى انقلاب هذه القاعدة على البعث نفسه، وصعدت، جراء ذلك، فئة "الذئاب الشابة" واستقر "نظام التشبيح والتشليح" على صدور الناس.

يدعو بشارة إلى تأسيس سوريا على أساس الديمقراطية، أي دولة جميع المواطنين. وهو في هذا الميدان يدعو إلى التسوية، لكنها تسوية تتضمن رحيل النظام وبقاء الدولة

رحيل النظام وبقاء الدولة
يعرض عزمي بشارة في هذا الكتاب المرجع حصاد عشر سنوات من حكم بشار الأسد حيث بدأت إرهاصات الاحتجاجات تتبرعم في هذه الحقبة، ثم ينتقل إلى الشرر الذي اندلع في مدينة درعا وسرعان ما تحول لهيبا وإن ظل في إطاره السلمي في البداية.

وينثني الكاتب إلى إعادة رواية الوقائع وتحليلها في كل مدينة، مثل حماة وحلب ودمشق والرقة ودير الزور وإدلب وحمص، ثم يتصدّى لدراسة إستراتيجية النظام السوري وخطابه، ويكشف اللثام عن غطاء الاستبداد وعن المجازر والخطف ومسارب الطائفية والعنف الجهادي، قبل أن يعرض للحراك السياسي لدى المعارضة والفاعلين الجدد (التنسيقيات) والمبادرات الدولية لحل المشكلة السورية.

يقول عزمي بشارة في هذا الكتاب "كان على النظام السوري أن يتغير أو أن يغيره الشعب". وأكثر ما يخشاه الكاتب هو أن تنتهي الأمور إلى تسوية طائفية تحفظ لجميع الطوائف حصصها السياسية من دون أن يتغير النظام.

ولذلك يدعو إلى تأسيس سوريا على أساس الديمقراطية، أي دولة جميع المواطنين. وهو في هذا الميدان يدعو إلى التسوية، لكنها تسوية تتضمن رحيل النظام وبقاء الدولة، لأنه من دون هذه التسوية ستتحول الثورة إلى قتال طائفي وإثني، وتتحول سوريا إلى دولة فاشلة حتى مع هزيمة النظام.

كتاب لا غنى عنه لمعرفة ماذا يجري حقا في سوريا وفي نطاقها الإقليمي، وضروري لفهم تفاعلات الحوادث السورية وتشابكها وامتداداتها نحو العراق شرقا ولبنان غربا، وربما إلى أبعد من ذلك لاحقا، ولرصد اتجاهات هذه الثورة ومآلاتها المستقبلية.

المصدر : الجزيرة