الأعمال الكاملة للأديبة التونسية فضيلة الشابي في إصدار لوزارة الثقافة (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
في خطوة نوعية ميزت المشهد الثقافي التونسي بعد الثورة للاحتفاء بالكتاب والكاتب التونسيين أقدمت وزارة الثقافة التونسية بالتعاون مع "دار محمد علي الحامي" على نشر الأعمال الكاملة للأديبة التونسية فضيلة الشابي.  ويأتي ذلك بعد أن ظل القارئ التونسي لا يقرأ اسم وزارة الثقافة إلا على مؤلفات كتاب قد رحلوا منذ عقود.

تمثل فضيلة الشابي واحدة من أهم الكاتبات التونسيات وأغزرهن إنتاجا عبر تاريخ الأدب التونسي، وتربطها علاقة قرابة بالشاعر الكبير أبي القاسم الشابي صاحب "أغاني الحياة" الذي منه البيت الشهير "إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلابد أن يستجيب القدر" الذي أصبح عنوان للثورات العربية وشعارا لها.

تنحدرالكاتبة من عائلة زيتونية (نسبة لجامع الزيتونة) وهي من أصيلي مدينة توزر بالجنوب التونسي، اختارت التفرغ للكتابة ومغادرة مهنة التدريس مبكرا وانخرطت في حركة الطليعة، وكانت المرأة الوحيدة في الحركة في البداية.

لاحق نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي عددا من أعمال فضيلة الشابي ومنعها مما يسمى الإيداع القانوني والترقيم الدولي

الكاتبة الممنوعة
ورغم انخراطها في هذه الحركة التي كانت تضم الشاعر الطاهر الهمامي وصالح القرمادي وسالم ونيس وغيرهم، فإنها كانت تختلف عنها في رؤيتها للكتابة وخاصة فيما يتعلق باللغة المستعملة، فقد رفضت مشروعهم لتونسة الأدب من خلال إقحام العامية وتمسكت بالعربية لغة للكتابة الشعرية ونشرت أولى مجموعاتها في بيروت تأكيدا لهذا الخيار العربي.

وواصلت فضيلة الشابي مشروعها الأدبي متنقلة بين الشعر والرواية وأدب الأطفال، فأصدرت عددا كبيرا من المؤلفات ناهز 21 مجموعة شعرية وأربع روايات وثماني مجموعات قصصية وشعرية للأطفال وثلاث مجموعات شعرية بالعامية كتبتها بداية من التسعينيات بعد انتهاء تجربة حركة الطليعة.

وجعلنا هذا أمام أكثر من 37 كتابا أدبيا في هذه الأعمال الكاملة، التي لم تتضمن الأعمال المنشورة فقط، وإنما ضمت مخطوطات في معظم الأجناس الأدبية كانت الشابي قد ألفتها ولم تتمكن من نشرها.

لاحق نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي عددا من أعمال الكاتبة ومنعها مما يسمى بالإيداع القانوني والترقيم الدولي، وظلت تلك الأعمال ممنوعة من ترخيص النشر مثلها مثل عدد من أعمال كتاب تونسيين آخرين كعبد الجبار المدوري وجلول عزونة ولزهر الصحراوي وغيرهم.

واضطرت إلى أن تطبع مؤلفاتها على حسابها الخاص في حين يتكفل عدد من زملائها، خاصة ضمن نشاط رابطة الكتاب الأحرار، بتوزيعها في نسخ يدوية ومصورة ومن ضمن هذه الأعمال روايتها "العدل"، وقد قامت رابطة الكتاب الأحرار بندوات حول تجربتها الأدبية وساندتها في بيانات ضد منع الكتب وحق التعبير.

أشكال عالمية لحروف ضاجة بالصمت والتأمل الفلسفي في الوجود والإنسان، ترسمها فضيلة الشابي ملتفتة لليومي في غير إسفاف، ذارة عليه من السحر ما يرقى به إلى مرتبة العنصر الكوني

فرادة التجربة
وتصفها الكاتبة فاطمة لخضر في المقدمة بكونها "امرأة الصبر والمبدأ والإصرار على الكلمة المبدعة الصادقة، ذات أنفة وإباء، ذات تعفف وحياء بالمعنى البعيد للكلمتين، كائن إيطيقي بالفهوم المطلق للأخلاق".

تبدو الكتابة، نثرية أو شعرية، عند فضيلة الشابي منشغلة بالإنسان ومعاناته ومحاولاته السيزيفية لانتزاع مكانته في الوجود، محتفلة بالمهمش الأفريقي والجريح الفلسطيني والمقموع التونسي، وهي نصوص منصتة لآلام السجين وأنين الأطفال الجياع والمتشردين في المدن.

كل ذلك يأتي في لغة راقية ومتينة ومعاصرة مستفيدة من صرعات الأدب من تكعيبية غيوم أبولينير إلى دادائية الطليعة التونسية ومنجز الفن التشكيلي التونسي ومختبرات الخط العربي وتاريخ النحت العالمي.

أشكال عالمية لحروف ضاجة بالصمت والتأمل الفلسفي في الوجود والإنسان، ترسمها فضيلة الشابي ملتفتة لليومي في غير إسفاف، ذارة عليه من السحر ما يرقى به إلى مرتبة العنصر الكوني.

هذا المتن المتنوع  بأشكاله وأجناسه مكنها من حصد عديد الجوائز الأدبية الوطنية والعالمية وخاصة الإيطالية التي ترجمت إليها. لئن كان منجزها الروائي محل خلاف بين النقاد فإن تجربتها الشعرية تبقى محل إجماع وتظل الأكثر ألقا لتمثل إضافة حقيقية في المنجز الشعري التونسي والعربي.

المصدر : الجزيرة