غلاف رواية "متاهة الجن" لحسن متّه (الجزيرة)
هيثم حسين
 
في رواية "متاهة الجن" للروائي الكردي حسن متّه يتبدى صراع العلم والجهل، وصراع العادات البالية والحداثة، ومناهضة التغيير وتسوير المكان بأسوار التخلف والوقوف بوجه محاولات تبديده. هناك بين الشخوص والأحداث خوف مهيمن يفترس البشر ويعطل طاقاتهم وحياتهم، وحالات صدام وتشابك واستعداء كثيرة.
 
يختار متّه -المولود في ديار بكر عام 1957 والمقيم في السويد منذ سنوات- قرية نائية في أعماق الجبال، لتكون مرتكزا لأحداث روايته الصادرة عن دار كلمة في ترجمة للسوري جان دوست عام 2013. تكون القرية المختارة نموذجا لغيرها من القرى المحيطة بها، حيث إن الكاتب يروم التعميمَ والإسقاط عبر التخصيص والتشديد عليه.

يصور الكاتب تداخل العوالم وصراع القيم والتقاليد والاحتكاك الذي يؤدي إلى التنافر، والتأثيرات السلبية على مختلف الأطراف، وذلك من خلال استعراضه لحكاية معلم يصل إلى إحدى القرى برفقة زوجته.

المعلم "كفانوت" ابن المدينة، لكنه يتكلم لغة القرية، وهو كردي مثله مثلهم، لكنه متنور وحالم. يحلم بتغيير وجه القرية وتغيير العادات المتأصلة فيها، والمبنية على الخرافة والجهل، وتكرّس التخلف الاجتماعي بأسوأ حالاته وتجلياته.

في الرواية لكل واحد من أهل القرية حكاية مع العتمة والجن والجنون، يظلون مترنحين بين التهرب من خوض أية مواجهة مع ذواتهم والتعرف إلى حقيقة ما يتداولونه فيما بينهم

مثلث الرعب
يمثّل "كفانوت" قطبا رئيسيا من أقطاب مثلث التغيير والصراع الذي يعكس الرعب القار في النفوس. يقود العملية ويشعل الشرارة، ويبحث عن السبل الكفيلة بتحقيق أمنياته. أما زوجته "نرجس" البدوية، فإنّها تتبع زوجها ولا تعانده أو تعارضه، تثق به وتؤمن بآرائه ومساعيه.

هي تمثل جانب البراءة في المعادلة، إذ تنقاد لهذا الطرف أو ذاك بحسب السطوة والقوة والتأثير. أما الطرف الثالث فيمثله أهل القرية الذين اعتادوا على نمط معين من الحياة وقيدوا أنفسهم بتقاليد مكبلة لهم ولطاقاتهم، ويغرقون في عتمة أوهامهم ومزاعمهم وتهويماتهم.

يشعر "كفانوت" بالمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقه، يتفاءل بأنه سيربي أطفال القرية وفق أساليب التربية الحديثة، وأنه سيعلّمهم العلوم المختلفة، ويؤسس للمستقبل ولجيل متعلم مثقف. يتجاهل حجم المشقات والصعاب التي تعترض سبيله، وبخاصة أن أهل القرية يعيشون مهجوسين بالأساطير والخرافات عن الجن.

فلكل واحد منهم حكاية مع العتمة والجن والجنون، يظلون مترنحين بين التهرب من خوض أية مواجهة مع ذواتهم والتعرف إلى حقيقة ما يتداولونه فيما بينهم، وكيف أن جهلهم بالأمور يدفعهم إلى معاداتها.

يأتي السرد بدوره تائها بين أكثر من شخص يتبادلون زمام السرد فيما بينهم. إذ يتنقل متّه من خلال ذلك بين عوالم ثلاثة، مصورا المفارقات فيها، يبدأ من الحلقة الأكبر، الممثلة بالعالم الخارجي الذي يعكس حياة طبيعية، في حين أن عالم القرية يمثل الجانب المظلم من تلك الحياة، أما عالم الأوهام والخرافة فيمتاز بسطوة غير مسبوقة على العقول والأذهان، يقود القرويين ويتحكم بهم ويتمتع بغموض جذاب يعمي البصائر.

يرمز متّه من خلال عمله الروائي إلى استحالة التغيير الفردي دون امتلاك رغبة التغيير وإرادته والوعي بضرورته

هاوية اليأس
يتنقّل صاحب رواية "القيامة" بين بيوت القرية - المتاهة، يكتفي بتصوير ستة عشر بيتا منها كعيّنة دالة ويختص كل بيت بعلامات فارقة. لا أسوياء في القرية سوى شاب متعلم وحيد اسمه "كبران"، يضطر لهجر القرية هربا من قيود الجنون التي تطيح بالناس الذين يتنابزون بالألقاب فيما بينهم، حتى تغدو تلك الألقاب أسماء مميّزة لهم. ينشغلون ببعضهم بعضا عن شؤونهم الحياتية ومعيشتهم، ويخترعون أوجه الاستعداء ويتفننون في الإيذاء ويتباهون بالاستجنان.

كبران، ذلك المتنوّر، الذي ينجو بنفسه من مستنقع المتاهة، يحذر المعلم من مغبة محاولة تغيير أهل القرية، لأنه اصطدم قبله بتلك الذهنية الصدئة واتّهم بالجنون. يخبره أنه سيكون كمن ينحت في صخر، وأن فجيعة الجهل ومأساة التخلف أشد تأثيرا على الإنسان من الكوارث والمصائب كلها، ويرحل تاركا خلفه المعلم في سعيه الدؤوب إلى تغيير منشود.

شرارة التغيير التي أشعلها المعلم "كفانوت" أحرقته وأودت به، لم يفلح في إنقاذ القرويين مما يغلفهم من بؤس، بل انحدر إلى هاوية اليأس واغترب عن نفسه، انسلخ عن ذاته ولم يع ما تلا ذلك، لأنه فقد القدرة والطاقة والسيطرة على نفسه.

هام على وجهه وأصابته حمى الجن والجنون معا، وتاه في المتاهة كغيره من التائهين، لكن ما ميّزه عنهم أنه دفع ضريبة محاولته الفاشلة للتغيير، وكان تعيسا بائسا، في حين أن الآخرين ظلوا رهائن جهلهم وما وجدوا أنفسهم في أتونه من تخلف معمم ودمار متفشّ يعصف بهم جميعا، ويبقي جذوة العداوة مستعرة فيما بينهم، وإزاء كل جديد ووافد.

ويكون "كفانوت" أبلغ مثال على ذلك، فهو ضحية أحلامه التي تحوّلت إلى كوابيس. يفقد ابنه الذي يُولَد ميتا، ويفقد زوجته، ثمّ يفقد عقله، ويجرفه التيه المدمّر.

يرمز متّه إلى استحالة التغيير الفردي دون امتلاك رغبة التغيير وإرادته والوعي بضرورته وأدواته، ويبرز جانب التخبط السائد من خلال عقد رهانات بليدة ومبارزات غبية للتسلية، يكون وقودها الأطفال الذين يدفعون ضريبة جهل أهلهم، ويستكملون دورة التخلف التي يرثونها، ويكونون فريسة سهلة لنيران الجهل التي تنهش أرواحهم ومستقبل بلادهم.

يذكر القارئ مسرحية "نهر الجنون" لتوفيق الحكيم حين قراءة رواية "متاهة الجن"، وبخاصة في تفصيل أن العاقل يبدو مجنونا بين المجانين الذين لا يعرفون شيئا عن الجنون الذي يغرقون فيه، ويظنون أنفسهم عقلاء، وينساقون وراء محاكمات كافكاوية عن أسرار العقل والجنون وألغاز العالم.

المصدر : الجزيرة