أمير تاج السر
 
كنت قد تلقيت رسالة من ناشر أميركي لي تعاملات معه، يصف كتابتي بأنها شريرة، وأنني أحفر في العمق لاستنباط الشر وكتابته إما في شكل شخصيات ترسم بطريقة مؤلمة، أو جمل أشبه بالعصي، تتقافز من رأس إلى رأس.
 
هذا التشبيه لا ينطبق علي وحدي، وإنما ينطبق على كثيرين، يكتبون المجتمع والناس والشوارع، في زمن مليء بالتعب واللهاث، أو يترنحون هم أنفسهم وسط ذلك كله ليخرجوا بسير روائية تفصح عن كل هذا.
 
وما دامت الكتابة الإبداعية في النهاية محصلة لصراع بين الذاكرة التي تمتص وتعض على ما امتصته جيدا، ولحظات تجل خاصة لاستخلاص ما يركد في الذاكرة وتدوينه، فلا بد أن يكتب الشر ويكتب الخير، وتكتب خبرات كثيرة بعضها مشرق فعلا وبعضها شديد العتمة.

على أن مفهوم الشر نفسه يتغير بتغير الأزمنة، واتساع الحيل وتوفر الطرق اللازمة لتقصي كل شيء. فما كان يكتب في القرون الوسطى وما تلاها من أزمنة أخرى لئيمة كانت أو حانية، لا يمكن كتابته الآن إلا في نصوص تاريخية تحاول إعادة إنتاجه وربطه بالحاضر، وتحويله إلى نصوص معاصرة، وكذا يصبح اتجاها آخر من اتجاهات الرواية.

كان الكتاب الغربيون مثلا، مقيدين قديما إلى قيم محددة تفرضها سطوة قساوسة الكنيسة، أو سطوة أباطرة يعتبرون كل ما يكتب خارج تلك القيم شرا يجب محاربته، لا أقصد الشر الذي قصده الناشر الأميركي، فهو هنا يقصد الشر الفني الذي يخص عالما يرسمه الكاتب، ولكن الشر الذي يعتقد بأنه يؤثر في أذهان العامة، ويحيد بهم عن الطريق المألوف، ثم ليأتي زمن تصبح فيه الكتابة في الغرب ليست جريئة فقط، وإنما متجذرة في أعمق الخصوصيات، ويصبح الشر الماضي، بلا أي تعريف في الوقت الحاضر.

في كتابتنا العربية التي تعد حديثة جدا مقارنة بتجارب الغرب، وحرية الرأي فيها لا تزال مشروطة بقيم أعدها عادلة ونزيهة، نجد من يخرج أحيانا ويكتب الشر سافرا

يقولون إن الإبداع بحر متسع، وعلى كل من ينوي خوضه أن يخوضه بلا عوائق وبحرية مطلقة، وتجد هنا روايات وأفلاما سينمائية خرجت عن كل الدروب المطروقة، وتجرأت حتى على رسم شخصيات الأنبياء الذين يملكون من القداسة ما يجعل رسمهم أو تخيل حرماتهم وكتابتها، في أي عمل فني شرا كبيرا يستحق أن يعاقب مقترفه.

وأذكر تلك الرواية المسيئة "جوهرة المدينة"، التي كتبتها واحدة اسمها "شيري جونز" انطلاقا من حرية تتخيلها ولا تملكها حقيقة، وكانت تمس معتقداتنا بشدة، حين تحدثت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حديثا لا يجوز في أي مرحلة من مراحل الحرية، وأثارت سخطا ليس لدى المسلمين وحدهم، وإنما حتى لدى نقاد غربيين اعتبروا روايتها مسيئة، وحتى غير ناضجة فنيا.

والذين قرؤوها، فعلوا ذلك بدافع الفضول لمعرفة ماذا يدور في رواية سبقتها ضجة كبيرة، ورفضت دار نشر طباعتها بعد أن وافقت لتنتقل إلى دار أخرى. وكذا تلك الرداءات التي تطالعنا بين حين وآخر، حين تكتب أو تصنع أفلاما عن الشر التجاري، ضد قيم شعوب تملك قيمها وكرامتها ومستعدة للموت في ما تعتقد.

في كتاب اسمه" أدباء أمام المحاكم"، أعده كاتب ألماني وترجمته وزارة الثقافة في قطر منذ عدة أعوام، تجد نماذج كثيرة لكتاب وشعراء اقتيدوا للمحاكمة بتهمة الخروج عن المألوف، وكان ذلك حين كتبوا عن الدين المسيحي والجنس أو انتقدوا أنظمة القياصرة التي كانت تحكمهم.

وأجد ذلك الآن يدعو للضحك حقا، لأن لا واحد من تلك الموضوعات يلتفت إليها أحد الآن، أو يعدها جريرة تستحق أن يشنق من أجلها شاعر أو كاتب مسرحي أو روائي أو فنان تشكيلي ظن أنه يجدد في فنه. ويحضرني مشهد لشاعر نفي من وطنه وقذفه الناس بالحجارة لأنه أنشد عدة أبيات في وصف جسد المرأة.

وفي كتابتنا العربية التي تعد حديثة جدا مقارنة بتجارب الغرب، وحرية الرأي فيها لا تزال مشروطة بقيم أعتبرها عادلة ونزيهة، نجد من يخرج أحيانا ويكتب الشر سافرا، سوى في الخروج المتعمد عن قيم الدين والمجتمع، أو إيراد جمل وعبارات لا ينبغي حتى أن يهمس بها الشخص لنفسه.

أنا مع الشر الفني، بلا أي تدخل من أحد ولا أي عاطفة من العواطف التي يندمج أصحابها مع الكتابة بعمق، وضد الشر التجاري الذي يكتب بدعوى حرية الإبداع في كل مكان

أنا أعد ذلك شرا تجاريا أيضا، فلا ضرورة إطلاقا لأن تطيل لقاء عاطفيا بين رجل وامرأة في رواية، حتى يثمر خطيئة، ولا ضرورة ولا منطقا في أن تخاطبني كقارئ، بلغة متشرد في الشارع يسب زميلا له، أو لغة بائعة هوى في وكر غاص بخامات الدمار كلها.

كلنا نكتب عن مجتمعاتنا بحلوها ومرها، نكتب عن الظلم والكوارث والفقر، وحياة البسطاء وغير البسطاء، أي نكتب المجتمع كله، ولكن كيف يكتب كل هذا، ليعد في النهاية أدبا؟.

أعود إلى الشر الفني، وأعني الشر الذي يخص الكاتب وحده حين يصنع عالما ممتلئا بالشخصيات والحكايات بلا أي صدام مع القيم، وهذا ما عناه الناشر الأميركي. مثلا حين ترسم شخصية جميلة ممتلئة حياة ونضارة، تسير بها في دروب النص برشاقة، ثم فجأة تطلق عليها رصاصة مميتة في شارع، أو ترقدها عنبر المستشفى ليومين ثم تموت، أو تحفر لها قبرا في العراء، وهي لا تزال متوردة وتحلم.

هنا الأمر يخضع لنظرية الكاتب وحده وتسلسل الحكاية في العمل الفني، فأي حدث مهما كان تافها وصغيرا في نظر من يكتبه، يعد نقلة لحدث آخر وآخر، وهكذا، فالشخصية المحبوبة حين تموت، تمهد لحدث مهم سيحدث، والشخصية الباردة، التي لم يلتفت إليها أحد في الصفحات الأولى، يمكن أن تتلون بالحرارة في أي وقت، لتقود دفة أحداث جديدة متلاحقة. وهناك شخصيات بلا حول ولا قوة، امتلكت القوة فجأة، وشخصيات قوية انهارت من ضغوط متلاحقة.

نموذجي المفضل رواية "الأشياء تتداعى" للعظيم الراحل تشينيا أشيبي. هذه مليئة بالشر الفني بلا شك، الشر الذي يخص عالم أفريقيا القديمة كما رسمه أشيبي، حين يضطر البطل لقتل صبي بريء كان يعيش ويلعب مع أطفاله في بيته بلا سبب سوى ذلك الانتصار المزري لدساتير قبيلته. وفيها فقرة عن الانتقام من القبيلة المعادية، بقتل أي فرد، حتى لو كان طفلا.

أذكر حين نشرت عملي "مهر الصياح" لأول مرة منذ عشر سنوات، أن جاءتني رسائل كثيرة، تلومني على موت "الرزينة"، إحدى الشخصيات المحبوبة، وهي الشخصية الوحيدة في العمل التي وصفتها بدقة، كانوا يكتبون عن تعاطف مع الشخصية، ولكن لم يفكر أحد أن ذلك الموت مهد للتغيير في السلطنة المتخيلة" أنسابة" الذي حدث على يد شخصية أخرى، لم تكن فاعلة في النصف الأول من النص، وتحولت إلى تلك الشخصية المهمة.

هناك روايات الأجيال، أو الملاحم التي كتبها كثيرون في الغرب وفي البلاد العربية أيضا، وهي أصدق أمثلة للكتابة المتوالية، التي يتعاقب فيها الخير والشر، من جيل إلى جيل.

إذن أنا مع الشر الفني، بلا أي تدخل من أحد ولا أي عاطفة من العواطف التي يندمج أصحابها مع الكتابة بعمق، وضد الشر التجاري الذي يكتب بدعوى حرية الإبداع في كل مكان.

المصدر : الجزيرة