كمال الرياحي-تونس
 
ازدهرت مدونة "أدب السجون" في تونس في مرحلة ما بعد الثورة، ويتواصل نشر الأعمال التي حبّرت في السجون والمعتقلات أو قاربت تجربة السجن بعد أن رفع الحظر عنها إثر ثورة يناير 2011 ووجد كتابها جرأة لطرحها في المكتبات دون خوف من الملاحقات أو من إعادة رميهم بالمعتقلات من جديد.
 
وكان آخر هذه الأعمال كتاب الهادي التيمومي الذي جاء تحت عنوان "ملح قرطاج.. حكاية من العالم السفلي" والصادر مؤخرا عن سلسلة "عيون المعاصرة " بدار الجنوب.
 
يطل الكاتب من وراء شخصية مسعود الصحراوي في الرواية ليتحدث بنفس الخطاب الذي يقرأ في المقدمة وهو خطاب مباشر يكيل السباب والشتائم للنظام ويسقط الرواية في المنبرية، وبذلك فوت على نفسه موضوعا أصيلا وبكرا
رواية المتن والحاشية
على غير العادة المعمول بها في سلسلة عيون المعاصرة الشهيرة في تونس والتي تقضي بأن يقدم كاتب آخر العمل المنشور، قام الهادي التيمومي بتقديم نصه بنفسه وسعى من خلال ذلك إلى بسط الظروف والملابسات التي كتب فيها الرواية بين سجنين من السجون التونسية ومعاناته في كتابتها تحت عيون الحراس، وضروب الحيل التي ابتكرها للإبقاء على المخطوط حيا وتهريبه إلى خارج المعتقل.
 
يذكر من بين ضروب الحيل تلك اختراع لغة أشبه بالهيروغليفية لتستعصي قراءتها وفهمها على السجان، وتخزينها في ملابس حبل الغسيل حتى إذا ما دوهمت الزنزانة لا يعثرون على شيء.
 
وينحو التقديم -أو الحاشية- نحو السيرة السجنية المختصرة وهو يحدثنا عن الكتابة، فيعود بالقارئ إلى ظروف اعتقاله سنة 1992عندما اعتقله النظام السابق مع أعضاء "التنظيم السري" لحركة النهضة وزعمائها متهما إياهم بمحاولة الانقلاب، وهو ما سماه الكاتب محاولة الثورة الأولى، ويتحدث الكاتب عن الملاحقات خارج السجن والتحقيق وحلقات التعذيب داخله والتتبعات بعد الخروج منه.
 
في ظل هذا الفضاء الكابوسي المسيّج بالعيون والرقابة والقسوة والازدراء كتب التيمومي "ملح قرطاج، حكاية من العالم السفلي" التي التفت فيها إلى التاريخ التونسي الحديث ليكتب سيرة بطل مهمش هو مسعود الصحراوي، وهو من الفلاقة -الثوار ضد الاستعمار الفرنسي- لا يؤمن بالحوار مع المستعمر إلا بالقتال.

لذلك يختار مسعود الكفاح المسلح ويلوذ بالجبال "ورفض ترتيبات الحكم الذاتي التي أبرمها بورقيبة مع المستعمر الفرنسي، ألقي عليه القبض بخديعة ورمي في مستشفى الأمراض العقلية".

والرواية مستوحاة من الأخبار التي راجت عن اعتقال بعض عناصر ما سمي بالفلاقة الذين لم يقبلوا تسليم أسلحتهم وقرروا مواصلة النضال المسلح، فاتهم بعضهم بالجنون وزج بهم في مستشفيات الأمراض العقلية.

ويقدم الكاتب هذه الشخصية في أسلوب ملحمي كرنفالي أسطوري في مناخ مشحون بالوطنية، واصفا من خلالها المؤامرات والدسائس وفظاعة سجون ما بعد الاستقلال الذاتي التي لم تكن أكثر رحمة من السجون الفرنسية. وهنا يبدو الإسقاط واضحا لمساجين التيار الإسلامي في عهد بن علي، على مصير الفلاقة في العهد البورقيبي الأول.

ويطل الكاتب من وراء شخصية مسعود الصحراوي ليتحدث بنفس الخطاب الذي يقرأ في المقدمة وهو خطاب مباشر يكيل السباب والشتائم للنظام ويسقط الرواية في المنبرية، وبذلك فوت على نفسه موضوعا أصيلا وبكرا.

يردد ليسكانو دائما، في "عربة المجانين" أنه خرج من تجربة السجن القاسية بغنيمة كبرى وهي معرفة الكائن البشري، بينما خرج التيمومي باحثا عن جلاديه ليتشفى فيهم بعد سقوط النظام

ليسكانو والتيمومي
استحضرت وأنا أقرأ كتاب التيمومي كتاب "عربة المجانين" لكارلوس ليسكانو، فالهادي التيمومي سجين سياسي مثله مثل كارلوس ليسكانو، تعرض الأول للاعتقال من قبل النظام البوليسي لبن علي والثاني اعتقله النظام العسكري لبلاده، اعتقل التيمومي سنة واحدة من 1992 إلى 1993 وظل ليسكانو قيد الاعتقال والتعذيب بالأوروغواي ثلاثة عشر سنة من 1972 إلى1985.

كتب ليسكانو "عربة المجانين" و"الكاتب والآخر" عن التجربة السجنية التي عاشها وكتب التيمومي "ملح قرطاج" استعارة عن تجربته السجنية، وقدم لروايته بنفسه بنص سيري أصبح جزءا من العمل، ومن ثم  فنحن أمام متن وحاشية في كلا التجربتين، العمل الإبداعي ورؤية الكاتب للكتابة.

لا تأخذ رواية التيمومي برأى ميلان كونديرا، الهارب من نظام فاشي، في أن "الرواية تنتزع روائيتها من مراهنتها على نفسها وأنها لا تكتب لتصفية الحسابات"، كما أنها لا تقتنع بما سجله رجيس دوبريه في سجنه وهو يكتب "مذكرات برجوازي صغير" بأن الإيديولوجيا عمياء.

وهي بالتالي تبتعد أيضا عن نظرة ليسكانو عن تجربة السجن، التي خرج منها برؤية خلاقة للعالم وللإنسان، فراح يختلق الأعذار حتى لجلاده العنيف ويعتبره مجرد أداة، ويحاول أن يذكر للجلاد جانبا إنسانيا كأن يكتب بشكل درامي كبير مشهد الجندي الذي ساعده على أن يقضي حاجته في السجن وهو مقيد إلى الخلف.

في المقابل تقرأ رواية التيمومي ومقدمته الطويلة (36 صفحة) فتكتشف أن الكاتب سقط في فخ الكراهية والخطاب التأثيمي المباشر.

يردد ليسكانو دائما في "عربة المجانين" أنه خرج من تجربة السجن القاسية بغنيمة كبرى هي معرفة الكائن البشري، بينما خرج التيمومي باحثا عن جلاديه ليتشفى فيهم بعد سقوط النظام، فيكتب متشفيا حتى في محقق كان يستدعيه للإمضاء في مخفر الشرطة.

ويبدو أن هذا الخطاب أصبح ظاهرة تمر بها الكتابة الروائية عن السجون في تونس مما يدخلها في مأزق كبير، بسبب تهافت دور النشر عليها وضعف الكتاب أمام تجاربهم فأصبح الزج بالكتابة في المزايدة النضالية بين المساجين القدامى من اليسار واليمين أمرا واضحا وأصبحت الحاجة ماسة لنقدها.

المصدر : الجزيرة