المثقفون التونسيون يرون ضرورة أن تحتفظ التجربة التونسية بطابعها المدني ونموذج الديمقراطية الوليدة
(غيتي إيميجز)
كمال الرياحي-تونس
 
بين معارضة تعتصم بالميادين مستهدفة إسقاط النظام وحل المجلس التأسيسي، وحكومة متمترسة وراء الشرعية، تراوح الأزمة السياسية في تونس مكانها، وتختلف زوايا الرؤية للمشهد. وبين هذا الطرف وذاك يتوزع صوت المثقفين التونسيبين، وتختلف مقارباتهم للوضع، لكن أغلبها تشير إلى أنه لا مخاطر محدقة بتونس، وأن الأزمة لن تطول.
 
صاحب رواية "برج الرومي" الأديب سمير ساسي يبدي تفاؤله بنجاح التجربة التونسية، مؤكدا أن الأزمة الحالية ناتجة عن الصراع التاريخي بين الأطراف السياسية الموجودة على الساحة، من جهة، وأخطاء الحكم وغياب ثقافة الديمقراطية من جهة أخرى. ويعتقد أن الأمر رهن بثورة شبابية داخلية في صفوف الأحزاب الفاعلة، ثورة تزيح النخبة الحالية.
 
الباحث سامي براهم: اعتبر ما يحصل الآن في تونس من تشنجات اختبار الديمقراطية (الجزيرة)
مخاضات التأسيس
الباحث والكاتب سامي براهم يعتبر أن كل ما يحدث في البلد اليوم هو من تشنجات اختبار الديمقراطية ومخاضات التّأسيس المدني. وككل المحطات المفصلية في تاريخ الشعوب -كما يقول- فإن هذا المسار مفتوح على كل الانتظارات الممكنة: النجاح التدريجي، الإجهاض، إفراغه من مضامينه. لكن الأكيد أن عموم الشعب التونسي لن يسمح بعودة الاستبداد من جديد، مهما كان الثوب الذي يتلفع به.
 
ويضيف أنه مهما كانت وجاهة تخوفات "معسكر الرحيل" ومهما كان حجم أخطاء "دعاة الشرعية" فلا بديل عن إسناد الشرعية الانتخابية بالشرعية التوافقية، دون أن تكون إحداهما بديلة عن الأخرى أو ناقضة لها، وهذه طبيعة أي مسار تأسيسي.
 
من جانبه، يعتبر الروائي عبدالقادر اللطيفي أن البلاد تشهد أخطر منعرجاتها السياسية على الإطلاق بالدعوة إلى حل مؤسسات الدولة، ولذلك يفضل الكاتب أن يتم الحفاظ على المجلس رغم هزال أدائه-كما يقول- على حله الذي يفتح البلاد على المجهول، أما الحكومة فلا يرى ضررا من حلها.

وألح صاحب "الأمير الرهيب" على ضرورة أن تحتفظ تونس بنموذج الدولة الديمقراطية الوليدة، أما النسج على المنوال المصري فمعناه الانتحار.

وبالنسبة للكاتب شكري الباصومي، فإن الأزمة في تونس بلغت حدا من التعقيد صار الحل معه صعبا إن لم يكن مستحيلا. فالصراع-حسب رأيه- أخذ منحى الوجود أي" إما أنا أو أنت".

ويؤكد صاحب "مراسم الكذب" أن التجييش على أشده، والترويكا -كما يقول- جهزت نفسها للتمسك بالحكم، والمعارضة المفككة ليست لديها بدائل كثيرة لإزاحة النهضة وحلفائها. ويعتبر أن الصامتين وحدهم هم الذين بإمكانهم قلب الطاولة على اللاعبين، وعدا ذلك لا مناص من انتظار الانتخابات.

الكاتبة فاطمة بن محمود: الحل يكمن في اعتراف الحكومة الحالية بعجزها وتشكيل حكومة إنقاذ (الجزيرة)

أزمة ثقة
صاحبة "امرأة من زمن الثورة" الكاتبة فاطمة بن محمود لا ترى حلا إلا  ‬في اعتراف الحكومة بعجزها، ومن ثم يجب تشكيل حكومة إنقاذ وطني مستقلة عن كل الأحزاب. والقوي فعلا -حسب رأيها- هو الذي يملك القدرة ليعترف بفشله، و يواجه الأزمة بقوة الوطنية التي تنحاز للوطن، لا بالاعتماد على منطق القوة للانحياز لحزب ما. ‬

وتكشف الأزمة السياسية في البلاد -حسب الباحث مختار الخلفاوي- عن أزمة ثقة ومشروعيّة. وبالنسبة له لا بد من جرأة في طرق الأبواب الصحيحة عبر "الاتجاه إلى حكومة كفاءات، أو حكومة إنقاذ تسندها هيئة توافق وطني، وإمهال المجلس الوطني التأسيسي إلى حدود 23 أكتوبر/تشرين الأول 2013 كي يفرغ نهائيا من مهمامه.

وعلى الحكومة الجديدة -كما يقول- أن تعمل على تنقية المناخ السياسي والاجتماعي مما أفسدته الحكومات السابقة، مع ضرورة أن يذهب الجميع في مناخ سليم نحو الانتخابات، تحت رقابة دولية، وفي آجال معقولة يتفقون عليها.

ويبدو الروائي عبد الجبار العش أقل راديكالية وأكثر تفاؤلا، حيث يقول "أنا متفائل، ولا بد من تشكيل حكومة إنقاذ وطني، بقي من الضروري في صورة عدم لجوء السلطة الحالية للعنف أن تكون هناك تطمينات حول التعايش السلمي بين مختلف أطياف المجتمع التونسي، والأكيد أننا مقبلون على المرحلة التصحيحية للثورة".

وفي المقابل، كان الشاعر نصر سامي متشائما ولا يرى في مقاربته للوضع حلا واضحا للأزمة، وأي حل يقوم على نفس التوازنات السابقة -حسب قوله- سيعيد إنتاج الأزمة، ولن يحصل التغييرالمنشود.

آدم فتحي: هناك ثقافة جديدة تتجلى الآن في تونس في المجتمع المدني، معها يولد فرد حر منفتح (الجزيرة)

قوة المجتمع المدني
ويذهب الروائي الحبيب السالمي إلى أن الأزمة طبيعية رغم خطورتها، والذين يتصورون أن تونس ستنتقل بسهولة وبدون أوجاع كبرى من مرحلة الدكتاتورية إلى مرحلة الديمقراطية هم واهمون -حسب قوله- " فهناك سال دم، وآخر سيسيل للأسف، لكن بالرغم من ذلك لا خوف على تونس. ستحاول قوى الظلام تمرير مشروعها الظلامي، لكنها ستفشل لأن هناك مجتمعا مدنيا صلبا سيحمي تونس".

من جهته، يؤكد الشاعر آدم فتحي أن هناك الآن ثقافة جديدة تتجلى اليوم في المجتمع المدني "معها يولد فرد حر، مقبِل على الحياة، ومنفتح على الآخر، يفكر بنفسِه، وينسل منه شعب مُصالِح بين جذوره وأجنحته، لا مجال لأي كان كي يعود به إلى الوراء، وكي يجرّده من حقوقه وحرياته، وكي يقوده بالسلاسل ولو إلى الجنة".

وغير بعيد عن هذا الرأي يرى الروائي حسن بن عثمان أن المجتمع المدني هو من قام بالثورة، وأن الأزمة السياسية اليوم بين أطراف حزبية لا علاقة لها بالثورة إلا من جهة الادعاء، أو احتكار التكلم باسمها.

ويقول صاحب "أطفال بورقيبة" نكون من اليائسين الكافرين بنعمة الله إن خطر لنا أن التونسيين لن يخرجوا من أزمتهم السياسية بأرخص الأثمان، كما كان شأنهم في كل الملمّات، بفضل الجغرافيا والتاريخ، وما ينتج عن تزاوجهما المثمر من نادر الذكاء، ومن مشتقات الترياق.

ومن وجهة نظر الروائي والباحث محمد الجابلي فإن ما يحدث هو إرهاص طبيعي لحلم ثوري مجهض محليا من خلال فراغ سياسي احتلته أحزاب ذات قواعد ضعيفة وتكالب الإسلاميين على الحكم. ويرى صاحب "مرافئ الجليد" أن التوافق ممكن وبعيد في الآن ذاته، لأن المسألة تخرج من المحلي إلى الإقليمي والدولي.

إن الشعوب ثارت على الطغيان -كما يقول آدم فتحي- لأنها عرفت كيف تستفيد من مبدعيها كي تُنتج ثقافة تمرد وتحرر وتنوير. لكن النخبة السياسية التي رضعت حليب الدكتاتور، حتى وهي تعارضه -كما يقول- أعادت إنتاج الطاغية، لكن المشهد السياسي على التنافر بين مكوناته لا يشي بمخاطر وانفلاتات كبيرة كما يقرؤه معظم المثقفين التونسيين، بحكم إرث مدني مكتسب ونسيج وطني متجانس.

المصدر : الجزيرة