غلاف رواية "تريستانو يحتضر" للإيطالي أنطونيو تابوكي (الجزيرة)
هيثم حسين

تتسع فترة الاحتضار لتريستانو ليتدفق في الحديث، لا ترهبه اللحظات الفارقة بين الموت والحياة لتشتعل الذاكرة ويتشبّث بالحياة عبر الحكاية، يمنحه الكلام سلطة الاستمرار ويكسبه ساعات إضافية لإملاء وصاياه، وتكون هلوساته بداية ولادة جديدة على الورق، ليكمل حياته في رواية مفترضة.
 
في رواية "تريستانو يحتضر" للإيطالي أنطونيو تابوكي (1943-2012) التي نشرتها مؤخرا "دار أثر" في ترجمة لمعاوية عبد المجيد، يصور تابوكي شخصية تريستانو كأحد المحاربين القدماء، شارك في الحرب العالمية الثانية، وكانت له صولات وجولات في أكثر من مكان.

يبني روايته على طريقة الإصغاء والمكاشفة والمناجاة، ذلك أن بطله يتذكر، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، أحداثا كثيرة كان يظن أنه نسيها، يتحدث عن ذكريات ملغية، يسترجع صورته في مختلف مراحل حياته، يستعيد شريط الذكريات وكأنه يتابع فيلما سينمائيا، يختصر فيه رثاءه للعالم الذي يدخل طورا جديدا سِمته الرئيسية الاستهلاك والتسليع.

يدين تابوكي من خلال اعترافات بطله رجال السياسة المتحكمين برقاب الناس في إيطاليا، ويصوّر طرق إثارة النزعات عبر الإعلام الذي يتصدر الواجهة

احتضار مديد
تريستانو المحتضَر يرمز إلى الإنسان المعاصر بكل آلامه والمفارقات التي يعيشها في زمنه، فتراه تارة يدين التوجه إلى قولبة الناس والتعامل معهم كشرائح مستهدفة من قبل معلنين كثر يتحايلون عليه، ويتحكمون بتوجهاته التي يرسمونها له، ويقيّدونه بها. وتارة أخرى تراه معجبا بما وصل إليه التطوّر من إنجازات كانت بمثابة أحلام بعيدة قبل عقود.

ومع ذلك يظل رهين أفكاره وماضيه، مسكونا بنوع من النوستالجيا المرَضية التي تبقيه أسير ذاك الماضي الذي يرثيه ويستثيره في الوقت نفسه.

لا يعكس تابوكي في شخصية بطله تريستانو حالة فردية، بل يروم تصوير ظاهرة متنامية في الألفية الثالثة، وهي اغتراب المرء عن ذاته ومحيطه، والعزلة التي يجد نفسه محاصرا بها، في ظل انشغال الجميع عنه، وما أن يشعر بقرب الأجل حتى يسارع إلى إطلاق العنان للسانه كي يبوح بما يعترك في داخله وما يجول في خاطره عن كلّ شيء دفعة واحدة، ودون ترتيب أو تبويب.

كما يرمز في حالة الاحتضار واستمراريتها طيلة زمن الرواية المفترض إلى الزمن الذي يعكس الضغط الواقع على الشخصيات، والمتاهة التي تجد نفسها حائرة في سراديبها، وتكون الاعترافات وسيلة للتواصل وإعادة بناء الثقة، بحيث يأمل بنقل الذكريات، ومن ثم كتابتها أن تبقى شاهدة وموثقة، عسى أن يتمّ الرجوع إليها أو الاستئناس بها أو إحياؤها بطريقة ما، ومنحها ديمومة بالكتابة.

يكتفي الروائي الذي ينقل حكايات بطله تريستانو بالإصغاء، لا يتدخل في الحوار ولا يبدي رأيا فيما يسمعه، صوت تريستانو يطغى على كل الأصوات، حكاياته المتناثرة في الأزمنة والأمكنة عبارة عن استرجاعات سريعة خاطفة غير مضبوطة بمعيار زمني أو مكاني، ينتقل من الشرق إلى الغرب، ومن الطفولة إلى الشيخوخة، كأنه يصارع الزمن ويتحدى الموت ليدلق معارفه وآراءه قبل أن يرتحل.

في حين أن الكاتب الذي يستدعيه يبدو وكأنه جهاز تسجيل، تحضر صورته ثانوية في حين يشعل طيفه المتواجد باستمرار شرارة الحكايات، ويطلق العنان للسان تريستانو ليبدأ تعليقاته وحكاياته، أي يحاور نفسه، ويروّح عن نفسه عبر محاولته فهم مغزى الوجود وألغازه. كما أن الشخصيّات الموجودة "إغناسيو، روزا، فراولين، مارلين، كلارك، الطبيب زيغلر..". تكون مكمّلة لصورة البطل ومزركشة للوحته الحياتية التي يرسمها بالكلمات.

يدين تابوكي من خلال اعترافات بطله رجال السياسة المتحكمين برقاب الناس في إيطاليا، ويصوّر طرق إثارة النزعات عبر الإعلام الذي يتصدر الواجهة، ويرسم للناس آفاق تحركهم ويدس لهم السم في العسل، ويلهيهم عن أنفسهم ومستقبلهم، من خلال الإنابة في التفكير والتخطيط عنهم. وكيف أنه يبتزّهم في الوقت الذي يزعم أنّه يقوم بخدمتهم.

نيرفانا الكتابة
بتلك الفوضى السردية المضبوطة يحاكي تابوكي ما يتخبط فيه الشخوص من فوضى عارمة تسِم الواقع وتطبعه بطابعها
يتنقّل تابوكي ببطله بين الواقع والأحلام، تكون الأحلام وسيلة الشخصيّة للتحايل على الواقع والهروب إلى أزمنة البهجة المفترضة المفتقدة، ويبرز كيف تتلاشى أحلامه الكثيرة والكبيرة وهو في النزع الأخير، ويكتفي بالبوح حلما وحيدا يستعين به للمرور إلى عالم الموت.

كما يستعين بالحكاية لتكون سبيلا إلى إطالة ساعات احتضاره، وكأن من شأن الصمت أن يضع نقطة النهاية لمسيرته الحافلة بالتناقضات والمفارقات ليبرز أن الكلمة المكتوبة تتمتع بسلطة نافذة وتتحدى الزمن، وتكتسب خلودها من خلال القراءة المتجددة، في الحالة التي يسمّيها نيرفانا الكتابة.

يعتمد تابوكي خدعة الاستعانة براو مفترض، إذ تتخذ الشخصيّة الرئيسة دور الراوي وتخاطب الروائي المستمع ليكتب ما تبوح له به من تداعيات في سياقات منفلتة من أي قيد أو رقابة، ليقوم بالتالي، بعد الاستماع إليها وتخزينها، بإعادة صياغتها في رواية.

ومن هنا يحتلّ تريستانو دور الحكواتي، يكون سرير المرض بمثابة كرسي الاعتراف، يكشف النقاب عمّا اقترفه سابقا، كما لا يتردد عن فرض رأيه وطرح تنظيراته متعشما أن تجد أذنا صاغية عند القارئ المستقبلي.

لا يلجأ تابوكي إلى التقسيم الكلاسيكي للرواية إلى فصول أو أجزاء، بل تراه يقدم روايته دفعة واحدة دون أي تقطيع أو تقسيم، كما لا يلجأ إلى استخدام الحبكة عنصرا روائيا بارزا، حيث لا بؤرة مركزية للحدث عنده، أو بالأحرى لا حدث مفصليا يربط خيوط الرواية وتشابكات السرد سوى ما يطلقه بطله من هذيان، يتلاءم مع الفوضى التي تجتاح عالمه.

وكأن تابوكي بتلك الفوضى السردية المضبوطة يحاكي ما يتخبط فيه الشخوص من فوضى عارمة تسِم الواقع وتطبعه بطابعها.

المصدر : الجزيرة