الهيئة العامة للكتاب باليمن تعاني من شح الإمكانات كما يؤكده رئيسها (الجزيرة)
عبد الغني المقرمي-صنعاء
 
تعيش حركة النشر في اليمن إشكاليات عديدة تعددت أسبابها وتنوعت تجلياتها، وانعكست على كلّ من المؤلف والناشر والقارئ أزمة حقيقية تزداد تعقيدا -بسبب الوضع الذي تمر به البلاد- يوما بعد يوم، مما ينذر بكارثة كبيرة في سوق الكتاب بدأت إرهاصاتها تتضح كسادا لدى الناشرين وإحباطا لدى المؤلفين، وتراجعا في القراءة لدى محبي خير جليس.
 
وبين هذه المظاهر الثلاثة يتوارى الكتاب بعيدا عن الأنظار، لتصبح مشكلة النشر في اليمن حاضرة بامتياز، وتكاد تكون على رأس الإشكاليات التي يعاني منها المشهد الثقافي في اليمن بوجه عام.
 
ويبدي رئيس الهيئة العامة للكتاب الأستاذ عبد الباري طاهر توجسا كبيرا من تصاعد هذه الأزمة، وخاصة في السنوات الأخيرة التي أعقبت الثورة السلمية، متسائلا بنبرة استنكارية عن المآلات التي ستؤول إليها هذه الأزمة.
 
عبد الباري طاهر: الهيئة العامة للكتاب الواجهة السياسية للنشر لا تمتلك مطابع خاصة بها (الجزيرة)
شرط أساسي
وعن دور الهيئة العامة للكتاب في حل هذه الأزمة أو التخفيف منها يقول طاهر في حديث للجزيرة نت "نحن في الهيئة نعاني من شح الإمكانات مما يجعلنا شبه مشلولين أمام أزمة كهذه، ولك أن تعرف أن هذه الهيئة التي تعد الواجهة النشرية الأولى في اليمن لا تمتلك مطابع تدير عبرها حركة نشر تلبي حاجات المشهد الفكري والثقافي داخل البلد".

وفي الوقت الذي أصبحت فيه كثير من الشركات الإعلانية داخل البلد تمتلك مطابع ذات جودة عالية بتقنيات مذهلة، يؤكد طاهر أن قيادة الهيئة لن تستطيع الحديث عن دور رائد في نشر الكتاب إلا حين تتوفر لها هذه الأدوات الهامة، التي هي الأساس الأول لإنجاز الهيئة.

بدوره يصف الناشر نبيل عبادي أزمة النشر في اليمن بأنها كارثية، مؤكدا أن أكبر إنجاز حققه اتحاد الناشرين اليمنيين منذ إنشائه عام 2007 هو الإعلان عن نفسه، والبقاء حتى الآن، في وسط منبت العلاقة بكل منظمات المجتمع المدني ما عدا الجمعيات الخيرية، مؤكدا أن هذه الأزمة تبدأ من القارئ الذي نكص عن فضاء الثقافة إلى اهتمامات أخرى، مما نتج عنه تصحر في سوق المكتبات، وكساد خانق للكتاب.

ويضيف الناشر اليمني في تصريح للجزيرة نت أن مشاريع جيدة تبناها الاتحاد اصطدمت بعراقيل، بعضها صناعة خالصة للجهات الرسمية، ويضرب مثالا على ذلك بأن الاتحاد عزم على إيجاد معارض دائمة للكتاب في عواصم المحافظات، لكن الإيجارات والرسوم الباهظة التي تفرضها جهات مسؤولة عن استخراج التراخيص، إضافة إلى مرتبات العاملين في هذه المعارض حال دون تحقيق هذا الحلم.

ويشير عبادي إلى أن المؤسسات الثقافية الرسمية كوزارة الثقافة واتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين والهيئة العامة للكتاب لا تنظر إلى اتحاد الناشرين على أنه شريك في صياغة الواقع الثقافي، ومن هنا غابت قنوات التواصل، وانعدمت فرص الخروج برؤية موحدة من كل هذه الأطراف من شأنها أن تقدم معالجات حقيقية لهذه الأزمة المستعصية.

وعن علاقة الاتحاد بالاتحادات المشابهة في الوطن العربي أكد عبادي أن العلاقات قائمة ولكن بصفة شخصية، مؤكدا أن اتحادات النشر في الوطن العربي غارقة في همومها، وأن إنجازها الوحيد الذي يمكن أن يشار إليه هو تحديدها مواعيد معارض الكتاب الدولية التي أصبحت مواسم تجارية، يستفيد منها المنظمون فقط، لا صيغا ثقافية تهدف إلى حلحلة الواقع والتبشير بالكتاب.

عبد العليم الحزمي اتحاد الناشرين لم ينجز شيئا بسبب غياب الوعي النقابي لدى أعضائه (الجزيرة)

عمل تجاري
ومن جانبه يؤكد الأستاذ عبد العليم الحزمي صاحب مكتبة خالد بن الوليد بصنعاء أنه لا يمكن الحديث عن أي إنجاز لاتحاد الناشرين بسبب غياب الوعي النقابي لدى أعضائه، وغلبة الشعور التطوعي على فعالياته المتقطعة، مؤكدا أن مكتبته التي أصدرت ما يقارب 400 عنوان منذ إنشائها قبل عقد ونصف مثلها مثل غيرها من دور النشر لا تطبع من الأعمال إلا ما ترى فيه إثارة محتملة تجتلب القراء.

وكثير مما طبع -حسب الحزمي -روعيت فيه شهرة الاسم، ونوع المادة المطبوعة، وأنه في أحايين نادرة طبعت أعمال لأسماء غير معروفة، لكنها كانت تجارب مكلفة على حد تعبيره، مؤكدا أنّ السقف الأعلى لعدد نسخ إصدارات مكتبته لا يتجاوز ألف نسخة يوزعها داخليا، أو في معارض الكتب التي يشترك فيها، وهي الآلية الوحيدة لتسويق الكتب خارج اليمن.

ويشكو الدكتور أحمد محمد الدغشي -أستاذ الفكر المعاصر في جامعة صنعاء الذي صدر له قرابة عشرة عناوين- من تراجع المصداقية، وغياب أخلاق المهنة لدى معظم الناشرين، وتحول مهنة النشر لديهم من رسالة مقدسة إلى عمل تجاري بحت.

وبسبب ذلك -كما يقول الدغشي- راجت كتب السحر والكتب الغرائبية وغيرها وتضخمت على حساب المؤلفات الجادة، ويضرب مثالا على ذلك بكتاب "عمر أمة الإسلام"، أو كتاب "معركة هرمدون" اللذين طبعت منهما إحدى دور النشر اليمنية ما يقارب مائة ألف نسخة، في حين أن الدار ذاتها رفضت طباعة ونشر الكثير من الكتب الجادة.

أما عن المردود المادي الذي يتقاضاه المؤلف –بحسب الدغشي- فهو قليل، ولا يكاد يذكر، وتنحصر مشكلة الكتاب اليمني في التوزيع، مؤكدا أن الكتاب الذي يطبع في اليمن يعيش رهن المخازن تجاهلا ونسيانا، ولا يعرض منه إلا القليل، وأن الكتاب الذي يطبع خارج اليمن، لا يصل إلى الداخل.

المصدر : الجزيرة