إبراهيم صموئيل

في أحيان كثيرة، يجري توسيع رقعة حرية المبدع، من أي حقل كان على حساب تضييق رقعة حرية المتلقي. تماما، كما يتم العمل على توسيع حرية المتلقي على حساب حرية المبدع، لكأن فضاء الحرية قطعة أرض محدودة لا يمكن لطرف أن يوسع مساحته إلا على حساب مساحة الآخر!

وفي الأغلب الأعم، يجري الانتصار لحرية المبدع، وإهمال حق المتلقي في حرية مماثلة، عن قصد مرة، وعن سهوٍ مرة أخرى، ومن هنا يتمّ الرد على الطلب المغلوط: "لِمَ لا تقول ما يُفهم؟" بطلب مغلوط ومعاكس "ولِمَ لا تفهم ما يُقال؟".

صحيح أن المغالطة تبدأ من المتلقي -قارئا كان أم مشاهدا- حين يطلب من المبدعين صوغ أعمالهم وفقا لمقاييسه وفهمه.. بيد أن الرد المعاكس يضمر رغبة لدى المبدعين في تشكيل رؤية المتلقي وفقا للمنتج المرئي أو المقروء أو المسموع!

من حق المبدع أن يعتز برؤيته وإنتاجه وأسلوبه وعوالمه، وأن يدافع بضراوة عن حريته في التعبير، بيد أن ذلك يحدث مشوبا بنظرة فوقية إلى اعتزاز المتلقي برؤيته وفهمه، وكذا بحقه في الدفاع عن حرية تلك الرؤية أو ذلك الفهم، وهو ما يمكن أن يفسر زوابع الخلاف الحاد حين يجري حوار في عمل إبداعي ما، ويعلن المتلقي أن العمل غير مفهوم بالنسبة إليه، أو أنه لم يرقْ له، أو أنه ضعيف، وهشّ.. إلى غير ذلك من أحكام.

نحن إزاء مبدعِ ومتلقِ، كما لوكنا إزاء جناحي طائر، أي تقييد لأحد الطرفين من شأنه أن يسلب الحق الطبيعي الذي للطرف الآخر ويلغي حريته

في المقابل، نادرا ما يتم الاعتراض على قول المبدع بأن المتلقي محدود الفهم، ضيق الرؤية، ضحل الثقافة، انطلاقا من أن العمل المُنتج هو وحدة قياس إليها يُقاس الناس، أو أداة كشف حيادية تفرز الغث من السمين، ويظهر ذلك على نحو شديد الوضوح مع الأعمال التي حازت شهرة، وتكرست، سواء بجدارة العمل ودون ألاعيب تجارية وتسويقية، أو عبر الألاعيب الإعلامية معروفة الأدوار جيدا!

وكلنا نعلم أن كثيرا من الآراء المخالفة للسائد والمكرس حول فنان أو كاتب أو عمل أو مجموعة أعمال، نادرا ما تورد وتذكر في ندوة أو على صفحات دورية أو وسيلة إعلام, بحيث تبقى (الآراء المخالفة للعمل المكرس) في دواخل أصحابها إلى أن تتاح فرصة بين أصدقاء حميمين، أو في خلوة بوح، فيتم الكشف عنها وإعلانها صراحة، وبشدة تتناسب مع زمن ودرجة ضبطها في الداخل والتكتم عليها!!

في لقاءات وجلسات الكتاب والفنانين، غير الإعلامية، كثيرا جدا ما يتمّ الإفصاح بوضوح تام وصراحة كبيرة عن آراء غير مألوفة، جريئة، ومخالفة للمكرّس المتفق عليه عموما، سواء لجهة أعمال شهيرة، أو لجهة مبدعين معروفين.

أكثر من ذلك فإن تلك الجلسات واللقاءات تشهد جدالا موسعا، معمقا، وجديا، بحيث لو أتيح للحوار أن ينشر ويذاع لأثار ضجة واسعة يصعب لملمتها. غير أن أصحاب تلك الآراء غالبا ما يعملون بمبدأ التقيّة درءا لاحتجاج الرأي العام وغضبه!! يكفي أن نتذكر الآراء المتعارضة -وبتباين شديد أحيانا- التي تنشر وتذاع في كل عام حول أحقية الفائز بجائزة نوبل أو بجائزة البوكر العربية، وعدم أحقية أعماله بالفوز.

ولو كان الأمر مقتصرا على فئة من المتابعين والمهتمين بالشأن الثقافي ممن "لا وزن" لهم، لربما وجد من يتذرع بالقول إن آراء هذه الفئة لا يعول عليها ولا تؤخذ في حسبان المبدعين "أصحاب الأوزان" من كتّاب ونقّاد ودارسين.

غير أن الأمر ليس مقتصرا على هذه الفئة، وإنما يشمل رموزا ثقافية إبداعية كبيرة مثل الكاتب الروسي تولستوي حين تناول في آرائه قمة من قمم الإبداع المسرحي "شكسبير" وذروة عالية من أعماله "الملك لير" ضمن كتابه المعروف "ما الفن؟"، حيث راح يشرح العمل قائلا "إن آثار شكسبير عندي تثير السأم والاشمئزاز الكبيرين، فالمجد الذي وصل إليه ما هو سوى شرّ كبير".

ألا يشكل إلغاء أو رجم حرية الرأي لدى المتلقي -أيا كان هذا الرأي- تعارضا مع مطالبتنا بحرية المبدع، وانتقاصا من مناداتنا بحرية الرأي وحق التعبير عنه، في الأدب والفن والفكر على الأقل؟!

ويضيف في حكمه التقويمي أن "شكسبر لا يرقى إلى مستوى كاتب عادي" فيذهب في ذلك إلى أقصى حد من التطرف في الرأي، وإلى أقصى ما يعارض ويعاكس الرأي المتفق عليه من الأغلبية الساحقة من أدباء العالم ونقّاده والدارسين لأدبه!!

وثمة مثال آخر: ما السبيل إلى أن نفرض رأيا عاما ورائجا يفيد بأن لوحة "الموناليزا" للفنان ليوناردو دافنشي هي عمل إبداعي عظيم وتحفة فنية خالدة، على ناقد أو فنان يراها عملا عاديا متواضع القيمة الفنية والجمالية، لا يستأهل المجلدات التي كتبت عنه؟!

إن أية أسباب نسوقها للتدليل على القيمة الفنية الرفيعة لتلك اللوحة لا تخرج عن حقّ وجهة النظر إليها، وهذا يوازي ويساوي حق الآخر في وجهة نظر مخالفة.

في الأدب والفن نحتاج إلى الديمقراطية في حدها الأقصى، حرية الفنان في أن ينتج ما يشاء، بالطريقة التي يشاء، تقابلها حرية المتلقي في أن يرى ما يشاء، وبالطريقة التي يشاء. ههنا، ما من نصوص وأحكام "مقدسة" تعطي حقا لطرف، وتسلبه من الطرف الآخر، وما من "أغلبية" و"أقلية" على غرار التصويت في الحقل السياسي.

ههنا، نحن إزاء مبدع ومتلق، كما لو كنا إزاء جناحي طائر، أي تقييد لأحد الطرفين من شأنه أن يسلب الحق الطبيعي الذي للطرف الآخر ويلغي حريته.

في الأدب ما من إجماع -كما أعتقد- وعدم إجماع، في حين أننا في الواقع العملي، لا نأخذ بذلك, دائما تكرس مفاهيم معينة، ثم تتحول، بالإجماع أو بالحملات الإعلامية لها، إلى قوانين تملى على المتلقي، بقوة خافية، فتسلبه حقه بالجهر برأيه، حتى إذا ما تجرأ وفعل، هبت العواصف الاستنكارية عليه، ورجم بالحجارة كما كانت ترجم الخاطئة!!

ألا يشكل إلغاء أو رجم حرية الرأي لدى المتلقي -أيا كان هذا الرأي- تعارضا مع مطالبتنا بحرية المبدع، وانتقاصا من مناداتنا بحرية الرأي وحق التعبير عنه، في الأدب والفن والفكر على الأقل؟!
______________
كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة