صورة الفتاة التي تنفض الغبار عن صورة الشهيد من أعمال أحلام شبلي بالمعرض (الجزيرة)
أنطوان جوكي-باريس
 
لوحة الفتاة التي تمسح الغبار عن صورة معلقة لشهيد ليست حالة منفردة في معرض "وطن الأشباح" للفنانة الفلسطينية أحلام شبلي بباريس، هي موضوع حاضر في الحالة الفلسطينية وفي أعمال شلبي نفسها التي أثارت حنق منظمات يهودية، ذلك الشهيد برمزيته وصورته، مقدّس دائما وحاضر في الوعي الجمعي الفلسطيني.
 
ويتضمن المعرض الذي ينظم بمتحف (Jeu de Paume) الباريسي ست مجموعات من الصور الفوتوغرافية أنجزتها شبلي في العقد الأخير، وتعالج فيها مواضيع مختلفة، كمسألتي فقدان "الوطن" أو "البيت" والصراع ضد هذا الفقدان أو ضد الإقصاء الإجتماعي، وإشكالية مفهوم الوطن أو الانتماء إلى مكان محدد لأفراد أو مجموعات يخضعون لسياسة إقصائية قمعية.
 
من الأعمال الفوتوغرافية للفنانة أحلام شلبي بالمعرض (الجزيرة)
الشهيد الحي
وفي سلسلة الصور التي تحمل عنوان "موت" (٢٠١١-٢٠١٢) ترصد شبلي كيف يحافظ المجتمع الفلسطيني على حضور شهدائه من خلال صور وملصقات ورسوم جدرانية (غرافيتي) تحتل الفضاءات العامة والخاصة وتشكل نوعا من المقاومة وتبجيلا لمآثر الشهداء وتضحياتهم.
 
ومن خلال هذه الأعمال، تبرز الفنانة أيضا كيف تتحول القضايا الوطنية والسياسية إلى مسألة شخصية وحميمية.

وأثارت هذه السلسلة غضب "المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية" في فرنسا لاعتباره شهداء فلسطين "قتلة وإرهابيين"، على حد تعبير رئيسه روجيه كوكيرمان الذي بعث رسالة إلى وزارة الثقافة الفرنسية طالب فيها بإقفال المعرض.

كما انتقدت وسائل إعلامية مقربة من اللوبي الإسرائيلي المعرض. لكن إدارة المتحف التي تلقّت أيضا تهديدات من قبل مجهولين، دافعت عن المعرض وهددت أي شخص يحاول إغلاقه بالقوة بملاحقته قانونيا، كما لاقى موقف المجلس اليهودي المذكور إدانة واضحة من قبل مثقفين وفنانين فرنسيين دافعوا عن موقف شبلي وأصدروا بيانا نددوا فيه بكل المحاولات لإغلاق معرضها.

وغير بعيد عن موضوع الشهداء وفي سلسلة الصور التي تحمل عنوان "صدمة" (٢٠٠٨-٢٠٠٩)، تبرزشبلي كيف يتحول الضحية إلى جلاد، وتنطلق من إحياء ذكرى ثورة أبناء مدينة تول الفرنسية ضد الاحتلال النازي وما تبعها من تدابير انتقامية بحقّهم في السابع والتاسع من يونيو/حزيران ١٩٤٤.

وتبرز أن بعض أبناء هذه المدينة الذين شاركوا في هذه الثورة وعانوا الأمرّين على يد النازيين شاركوا بعد بضع سنوات في حروب فرنسا الاستعمارية في فيتنام وكمبوديا ولاوس والجزائر ضد شعوب كانت تطالب بدورها بالاستقلال. وبالتالي تشكل هذه الصور شهادة فاضحة على تحول الضحية إلى جلاد في مراحل مختلفة من تاريخها.

وسائل إعلام مقربة من اللوبي الإسرائيلي انتقدت معرض شبلي، لكن إدارة المتحف، التي تلقت أيضا تهديدات من قبل مجهولين، دافعت عن المعرض وهددت أي شخص يحاول إغلاقه بالقوة بملاحقته قانونيا

قدر المحرومين
ويرتكز مسعى شبلي الفوتوغرافي على مبدأ كشف قدر المقموعين أو المحرومين، لكن دون حصر الاهتمام بأبناء وطنها. وبدلا من هاجس تزويدنا بشواهد وأدلة على الصراعات المصورة، وبالتالي تفسيرها، تعمد إلى مراقبتها من مسافة نقدية وموضوعية لفضح الأفكار المسبقة حولها.

وفي هذا السياق، تناقض ممارسة شبلي الوثائقية للتصوير الفوتوغرافي المبدأ المؤسس للتيار السائد في هذا الميدان الذي يقوم على تزويدنا سريعا بصور لكل حدث راهن، لكن دون منحنا فرصة التدخل أو إبداء الرأي فيه.

ولتعليق استقلالية الصورة وقلبها داخل نظام لا يستخدمها ضمن هدف إعلامي، تعمد الفنانة غالبا إلى إرفاقها بنص مفصل يحددها في الزمان والمكان وإلى ربطها بسلسلة من اللقطات يستحيل عزلها عنها وإلا لفقدت معناها.

وفي سلسلة الصور التي تحمل عنوان "بورتريه ذاتي" (٢٠٠٠) تعيد شبلي فيها خلق فصل من طفولتها. ولذلك تستعين بفتى وفتاة لرواية قصة ضبابية المضمون تدور أحداثها في محيط القرية التي نشأت فيها.

ومن خلال وضعيات الفتى والفتاة ولعبهما وموقعهما داخل حقول مفتوحة، تتمكن الفنانة من التعريف بأرض لا تتحلى بتحديد جامد بقدر ما تحضر كتمثيل ذاتي ووجودي. وإذ يعتبر الفيلسوف الفرنسي فيليكس غواتاري إنتاج "أراض وجودية" نوعا من المقاومة التي يمكن ممارستها على أراض أخرى، تمارس شبلي مقاومتها داخل هذه الصور من خلال جمع علامات قادرة على تثبيت ذكريات فقدت فضاءها الجغرافي.

وفي سلسلة "مطارِدون" (٢٠٠٥)، تتناول الفنانة موضوع الفلسطينيين البدو الذين خدموا أو ما زالوا يخدمون داخل الجيش الإسرائيلي لطرح تساؤلات حول الثمن الذي تدفعه أقلية ما للبقاء على قيد الحياة أو للحصول على اعتراف بوجودها داخل أكثرية حاقدة أو عدائية.

وفي سلسلة الصور التي تحمل عنوان "منحرفون شرقيون" (٢٠٠٦)، تسلط شبلي الضوء على القدر المأساوي لمواطنين من باكستان وفلسطين ولبنان وتركيا والصومال اضطروا إلى مغادرة وطنهم الأم لرفض مجتمعاتهم ميولهم الجنسية.

وتنقلنا سلسلة الصور التي تحمل عنوان "منزل الأطفال" (٢٠٠٨) إلى بولونيا لإطلاعنا على حياة أطفال داخل دور للأيتام. وفي هذه الصور، يبدو لنا كل طفل منصهر داخل جسد جماعي لا يغادره إلا حين يحين موعد النوم، وبالتالي نستنتج عملية استبدال هؤلاء الأطفال الخلية العائلية الكلاسيكية بمجتمعهم الطفولي.

ومن خلال هذا المشروع، أرادت شبلي الشهادة على الحاجة الملحة لأي إنسان في أن يكون مع الآخرين وفي الاتصال بهم ومصادقتهم وكسب حبهم وتشييد عائلة ودار له يبعدان عنه شبح الرفض والإقصاء.

المصدر : الجزيرة