إحدى المسيرات الرافضة للمفاوضات التي جرت بالضفة الغربية (الجزيرة نت)
عاطف دغلس-نابلس

فيما يغدو السياسي الفلسطيني نحو مفاوضات ثنائية مع إسرائيل تبقى حالة الجدل بالقبول أو الرفض قائمة بين أوساط الفلسطينيين، مثقفين واجتماعيين وسياسيين وغيرهم، سواء كانوا من فصائل منضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية أو غيرها.

وتطرح ثنائية التفاوض تساؤلات عديدة حول أهمية دور المثقف تجاهها، خاصة ما يتعلق بمدى  قدرته على خلق حالة من الوعي لدى الشعب الذي بات يُعلق آمالا كثيرة عليه لتشكيل رأي ضاغط ومؤثر على السياسيين.

إلا أن هذا المثقف كما يقول الأديب والناقد الفلسطيني محمود شقير "تقلص دوره وأصبح محدودا أمام تغوّل السلطة السياسية وقلة اهتمامها والمجتمع سوية بالثقافة وتهميشهم للمثقف".

ورغم تسجيل المثقف عدم ارتياحه من هذه المفاوضات، يبقى المثقفون موضع تقصير بحقهم شخصيا، "فهم لا يعطون أنفسهم الدور باعتبارهم أكثر وعيا وتبصرا وأبعد نظرا بسبب ثقافتهم".

  محمود شقير: بعثرة المثقفين الفلسطينيين يقلل من بلورتهم لفكر معارض للمفاوضات (الجزيرة نت )

مبعثرون
كما أن المثقفين بالوطن والشتات "مبعثرون"، وهذا التبعثر لا يساعد على بلورة مواقف منهجية وواضحة من شأنها أن تسعى للتأثير في المجتمع وفي المجال السياسي، إضافة للاستقطاب السياسي لكل طرف منهم.

وذكر شقير أنه بين الفينة والأخرى تصدر مذكرات وبيانات تحمل تواقيع لمثقفين رفضا لأمر ما، "وهذا بحد ذاته شيء جيد لكنه لا يكفي مقارنة مع ما يقوم به مثقفون في دول عربية"، ومع ذلك لم يعد قادرا -ونتيجة هذا التبعثر- على تشكيل "رأي جامع لرفض المفاوضات، أو حتى ينأى بنفسه عن أي لوم مستقبلا".

ودور المثقف الحقيقي في الإبداع والكتابة وإن كان موجودا، فإنه لا يعطي ثمارا مباشرة أو غير مباشرة على المدى البعيد. وقال إن المطلوب مواقف ملموسة بالوقت الحالي.

استلاب المثقف
وهذا الموقف كما يراه الأمين العام لرابطة الأدباء والكتاب الفلسطينيين مراد السوداني محمول على الإستراتيجية مقابل موقف السياسي المحمول على التكتيك والممكن.
السوداني: المثقف يعيش حالة استلاب من السياسي (الجزيرة نت)

ولهذا يجب على المثقف الفلسطيني أن يتمايز عن السياسي ويستفيد الثاني من إستراتيجية المثقف وعناده في الإصرار على الثابت، "لأن المثقف المشتبك يحول دون تبني رواية النقيض التي يحاول الاحتلال تمريرها على الفلسطينيين".

وقال إذا رأى السياسي بالمفاوضات مساحة لإرجاع الحقوق، فإن المثقف يرى أن هذا العدو ما زال يمعن بالتقتيل والتدمير والاستيطان، "ومن هنا لا يرتاح السياسي للمثقف الناقد والرافض لمحاولات الأول لجره وجعله تحت مظلته".

وحالة الاستلاب للمثقف ومقدراته ليس وحده الاحتلال من يمارسها، فسطو السياسي الفلسطيني قائم بحد ذاته، "كما يفعل رئيس تحالف السلام بسطوه على مؤسسة محمود درويش ضاربا بعرض الحائط كل السياق الثقافي الفلسطيني"، في إشارة منه لياسر عبد ربه.

ويضيف السوداني أنه لا بد للسياسي أن يوسع صدره لانتقادات المثقف الفلسطيني، الذي كان ولا يزال يرفض التسوية السياسية، وهناك جمهرة من الأسماء الرافضة والناقد لهذا السلام كناجي العلي ويوسف الخطيب ومريد البرغوثي وغيرهم.

وعما إذا كان دور المثقف الفلسطيني بتشكيل رأي ضاغط ورافض لقرارات السياسيين خاصة فيما يتعلق بالمفاوضات قد تراجع، قال السوداني إن المثقف سعى ولا يزال للحفاظ على مسافة محددة مع السياسي ويُصوّب بوصلته "ونحن ضمن هذا السياق".

عفانة: الفلسطيني يقع تحت الضغوط للتوجه للمفاوضات  (الجزيرة نت)

تحت الضغط
وأمام هذا يرى مدير وزارة الثقافة بنابلس حمد الله عفانة أنه لا حقيقة مثقف مستقل بالمعنى ذاته، وأن المثقفين لهم توجهاتهم السياسية والحزبية والأيديولوجية.

ولا يدور الحديث عن رأي المثقف وقبوله أو رفضه ولا حتى عن رأي الفلسطينيين ككل، بل تتعلق الأمور بواقع جديد عليهم أن يكونوا جزءا منه، "رغم قناعتهم بأنها لن تؤدي بنهاية المطاف لنتائج إيجابية أو شيء يعلقون عليه آمالهم".

ويبرر عفانة هذا الموقف الرسمي بالتوجه للمفاوضات بأنه ليس فرديا ويحظى بإجماع وموافقة الفصائل والمنظمة والمجلس الوطني واللجنة المركزية.

ولا يتعلق الأمر كذلك بعدم اكتراث برأي المثقف والترويج بأنه خضع لاستطالة السياسي واستفراده بالقرار، "بل لا يتعدى الأمر ضغوطا كبيرة تمارس على الفلسطينيين لخوض هذه المغامرة".

المصدر : الجزيرة