خالد خليفة يرى أن الثقافة لها دور مهم في المجتمع ينبغي أن لا تتخلى عنه (الجزيرة)
حاوره هيثم حسين
 
يعود الروائي السوري خالد خليفة في روايته الجديدة "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" إلى معشوقته مدينة حلب، من ذاكرتها الموشومة، يكتب عن الأسى والخوف والأحلام الموؤودة، بعد أن اقتحم في "مديحة الكراهية" من بوابة تلك المدينة مرحلة الثمانينيات الدامية وصراعاتها وأسئلتها وآلامها، وإحباطات جيل من أبنائها.

منعت "مديح الكراهية" من التداول والنشر في سوريا، لكن صاحبها الذي يساند الثورة ما زال يقيم في دمشق، على أصوات أزيز الرصاص والقصف والتفجيرات والقتل اليومي، يتعرض للإيقاف والمنع من السفر، والمضايقات لكنه يحاول أن يكتب وهو يشهد عودة "مديح الكراهية" يشكل أعمق من حقبة الثمانينيات.

صاحب مسلسلات "سيرة آل الجلالي" و"قوس قزح" و"باب المقام" و"هدوء نسبي" و"المفتاح" يعشق دمشق ولا يتركها قليلا إلا ليعود إليها رغم ما يجري فيها وحولها، تعرض قبل فترة لنوبة قلبية ألزمته المستشفى أياما عندما ضعف أمام مشهد لم يعد يحتمل للقتل والدمار اللذين يشهدهما بلده.

يعتقد الروائي والسيناريست السوري أن على الثقافة ألا تتخلى عن دورها الريادي في المجتمع، ويرفض أن يتحول المثقفون إلى أناس منفصلين عن واقعهم أو عبيد للدكتاتور. كما ينادي بوجوب الحفاظ على شرف الرواية والثقافة ودورهما في التأسيس لمراحل لاحقة بوعي ومسؤولية.

الجزيرة نت أجرت الحوار التالي مع خليفة بمناسبة صدور روايته الجديدة "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" في القاهرة مؤخرا.

تناولت في روايتك "مديح الكراهية" مأساة الثمانينيات القريبة، وغامرت بدخول حقل ألغام سعت السلطة إلى التعتيم عليه، ما الجديد الذي عالجته في "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"؟

- كلّ رواية إذا لم تكن جديدة أو تحمل بذور أسئلة جديدة لا داعي لكتابتها، وإن كُتبت لا داعي لنشرها، وهذا يقلقني دوما في بحثي الدائم عن روايتي الجديدة التي لم تكتب، وهذا القلق لازمني في رواياتي الأربع التي أعتقد أنّها لا تشبه بعضها، ويلازمني الآن في بداية كتابتي لروايتي الخامسة، البحث عن الفكرة الجديدة، البحث عن اللغة الجديدة والسرد وكل مكونات الرواية.

معركتي في الكتابة ليست مع مجموعة موظفين أمنيين وزائلين، بل معركتي مع نصي بشكل أساسي وأسئلة الكتابة وتقنياتها

"لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" رواية تختلف عما سبق من رواياتي بكل شيء، مكتوبة بلغة مختلفة وعن زمن مختلف، وإن كان الثمانينيات جزءا من هذا الزمن، هنا سيرة عائلة ومدينة وبلاد عاشت تحت وطأة قمع الحريات ومصادرة الحياة وتحطيم أحلام شعب بأكمله.

هل يمكن للكتابة تحت وطأة اللحظة الراهنة وضغطها أن تتخفّف من قيود الواقع وتكبح جماح الحماسة للانتصار للمستضعفين، ولاسيّما أنّ الراهن يظلّ محفوفًا بالمخاطر بحكم قربه وعدم انجلاء الملابسات تمامًا؟

- تختلف وجهات النظر ونجاحها بالنسبة لأفضل زمن كتابة عن حدث أو تغيير كبير أو ثورة كما يحدث الآن، أنا بطيء في الكتابة رغم أنّ حياتي سريعة جدّا، لا أستطيع كتابة رواية عن حدث حار وما زال يجري، رغم أنني قابل للتوريط والكتابة عمّا يحدث، لا توجد وصفة صحيحة هنا، هناك مَن يستطيع الكتابة، وهناك من ينتظر لقراءة سكون المشهد.

أنا أميل للكتابة الباردة عن الأحداث الحارة والكبيرة، لذلك لا فكرة لدي لكتابة رواية عن الثورة وبكل الأحوال المستضعفين يحتاجون إلى النصرة في كل الأوقات.

ما تعرّضت له روايتك "مديح الكراهية" من مصادرة ومنع وتقييد في سوريا هل جعلك حذرا في روايتك الجديدة أم أنه كان حافزا على تخطي الخطوط التي يجاهد الرقيب كي يكبّل بها المبدع؟

- لم أفكر يوما في قائمة الممنوعات، كما لم أرغب في العمل الاستعراضي لكسر هذه التابوهات أو الممنوعات، خاصة السياسية، كان همي الدائم كتابة رواية جيدة وعميقة، تستطيع البقاء والدفاع عن نفسها في المتغيرات، لذلك قللت دوما من فكرة منع روايتي.

لم أعتبر هذا المنع والمصادرة شيئا يستحق الحديث عنه، ومعركتي في الكتابة ليست مع مجموعة موظفين أمنيين وزائلين، بل معركتي مع نصي بشكل أساسي وأسئلة الكتابة وتقنياتها التي لم تتوقف يوما لتصبح نهائية.

ألا تكون أيّة مقاربة روائيّة للراهن السوري محكومة بالاجتزاء والقصور في ظلّ تعقّد الظروف، حيث الرصاصة تقتل الكلمة؟

إن لم يستطع المثقّفون قيادة ثوراتهم، فعلى الأقل يجب ألا يتحولوا إلى خونة أو أناس منفصلين عن الواقع أو عبيد للدكتاتور

- لن يستطيع  أحد الحكم حتى نرى هذه المقاربة، هناك كتاب لديهم قدرة فائقة على الكتابة عن الراهن، الأزمنة الحارة تثيرهم وتخرج أفضل ما لديهم، وأنا لست منهم، لذلك أعود إلى ما قلت من أنّه لا توجد وصفة ثابتة.

أحيانا تحتاج إلى حدث بسيط لكتابة رواية عظيمة، والراهن السوري يقدم بشكل يومي المئات من هذه الحكايات والأحداث، لكنّها تحتاج الصانع الأمهر، ودوما الرصاصة كانت تقتل الكلمة، لكن الكلمة في النهاية تستطيع البقاء وتجديد ذاتها وأدواتها، وهذه المعركة ستستمرّ طالما بقيت البشريّة وليست معركة طارئة تنتهي بنهاية حدث أو ثورة.

تأتي روايتك في وقت تطغى فيه أصوات البنادق على كل ما عداها، هل تراهن على أيّ دور للثقافة عموما، والرواية خصوصا، للمساهمة في أي حل مفترض أو التهيئة له؟

- بالتأكيد الثقافة لن تستطيع تقديم حلول خاصة فيما يحدث في سوريا، خاصة أن المسألة معقدة أكثر مما يظن الآخرون، لكن الثقافة يجب ألا تتخلى عن موقعها ودورها المهم أيضا.

إن لم يستطع المثقفون قيادة ثوراتهم، فعلى الأقل يجب ألا يتحولوا إلى خونة أو أناس منفصلين عن الواقع أو عبيد للدكتاتور، كحد أدنى، يجب الحفاظ على شرف الرواية والثقافة وعدم الاستهانة بالدور المقبل الذي يجب أن تلعبه في ترميم الخراب الإنساني.

المصدر : الجزيرة