نوري الجرّاح: الثورة كشفت أقنعة الحرية
آخر تحديث: 2013/7/27 الساعة 14:08 (مكة المكرمة) الموافق 1434/9/20 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/7/27 الساعة 14:08 (مكة المكرمة) الموافق 1434/9/20 هـ

نوري الجرّاح: الثورة كشفت أقنعة الحرية

الشاعر السوريّ نوري الجرّاح مع مجموعة من الأطفال السوريين (الجزيرة)
حاوره هيثم حسين
 
الشاعر بالنسبة للأديب السوري نوري الجراح ثائر بالضرورة، والقصيدة عنده معادل جمالي لرحلة الثائرين على الطغيان في الخروج من أرض الظلمات إلى النور. أما الثورة السورية فهي درس ثقافي تاريخي، على الثقافة العربية من خلالها أن تعيد النظر بمجمل خطاباتها وبمعرفتها بذاتها.
 
لم يبق صاحب "يوم قابيل" على الربوة محاولا أن يستشعر من بعيد رجع الأحزان، وقصد الداخل السوري المثخن بالجراح. وفي رحلته تلك شد من أزر الثائرين ورافق الأطفال ململما أحلامهم الضائعة بين زخات الرصاص وهدير القنابل ومدارسهم ومرابع طفولتهم المستباحة. خرج الجرّاح في مظاهرات كثيرة ليرسل من هناك رسائل إلى المثقفين ليتحركوا ويدخلوا إلى سوريا.
 
أشرف الشاعر السوري على عدة مشاريع ثقافية وفكرية، آخرها مجلة "دمشق" الأدبية الفكرية التي يتطلع إلى أن تكون فضاء حرا وخلاقا للأقلام الراسخة والجديدة، ومناخا حرّا للتفاعل بين أصحاب الأفكار المختلفة.

بمناسبة صدور مجموعته الشعرية الجديدة "يوم قابيل"، التي فرضت عليه قصائده فيها نوعا من المواجهة بينه وبين ذاته، ليبدع قصيدة مختلفة، وهّاجة تنبض بالحياة في بحر الثورة، التقت الجزيرة نت الشاعر نوري الجرّاح وكان الحوار التالي:

جاءت "مجلة دمشق" -التي تترأس تحريرها- في مرحلة مفصليّة لتكون مواكبة للتحولات السياسية والثقافية التي تشهدها المنطقة عموما وسوريا خصوصا. إلى ماذا تسعون في مجلة دمشق وما الجديد فيها؟

الشاعر نوري الجرّاح يحتضن بعض الأطفال السوريين ورسوماتهم البريئة (الجزيرة)

- بالعودة إلى البيان التأسيسي للمجلة المنشور في عددها الأول قلنا إننا نتطلع مع هذا المنبر إلى استئناف مشروع ثقافي تحرري سوريّ وعربي لم ينقطع يوما، لكنه تعثر بفعل القمع والحصار والإرهاب، وفي سوريا بفعل ما مارسته دكتاتورية الأسد الأب وواصله امتدادها في الابن.

وهي سياسة عملت، باستمرار، على احتقار الثقافة والتنكيل بالمثقّف، بوساطة موظّفين ثقافيين مأجورين وآخرين مرتشين، باعوا ضمائرهم للسلطة واشتغلوا عبيداً عند الدكتاتور، وعملوا جاهدين على إخضاع الثقافة وسجنها، وتكميم أفواه حملة الأقلام، والوشاية بأحرارهم، ودفعهم إلى الصمت أو اللجوء الى المنافي.

وبالتالي فإن مجلة دمشق تقوم، بالضرورة، على لقاء حرّ وتضامن مفتوح بين كتّاب من داخل سوريا وإخوة لهم باتوا خارجها، موسّعين بوجودهم فضاء المنفى السوري، وقد هدمت الثورة بتضحياتها الجسيمة الجدران بين منفيين داخل سوري أسير وخارج سوريّ طريد وشريد.

نريد من هذا المنبر أن يكون فضاء حرّا وخلاقا للأقلام الراسخة والجديدة، ومناخا حرا للتفاعل بين أصحاب الأفكار المختلفة، والإبداعات المبتكرة، والمواهب المبدعة، ليكون هذا المنبر الذي يحمل اسم عاصمة عظيمة صورة تجسد حلمنا بالحرية والجمال والحق، وهو ما يعيد إلى الثقافة صوتها الحرّ، وإلى دمشق -صاحبة النشيد الأعمق لأجل الحرّية- وجهها الباهر، مذكرين بدورها البارز في توليد الأفكار والإبداعات، واليوم الثورات.

الثورة السوريّة شكلت مفترق طرق سياسيا وثقافيا وحياتيا، كيف تقيم الثورة اليوم بعد مرور ما يقرب من العامين والنصف من عمرها، وكيف تقرأ تأثيراتها على الحياة الثقافيّة؟

- ما من شك أن الانتفاضة السورية العارمة، وهي كبرى الانتفاضات التي عرفها التاريخ الحديث في العالم، تملك كل مواصفات الحدث التراجيدي الأقصى، اليتم الكامل للنقاء البشري، المسيح الجماعيّ للعصر، والبطولة الأسطوريّة، التي كنّا قد اعتقدنا أن العالم خلا منها حتّى طلعت علينا هذه الانتفاضة بطاقتها الجبّارة، ويُتمها الكامل.
 
رحت في امتحان عسير بين كلماتي وأعصابي، بين لغتي ودمي، بين خيالي وخيال الجريمة، كنت أكتب وعيني على يدَي الشقيق وهو يهوي بحجر الغريزة على جمجمة الشقيق
إنها أشبه بنشيد شعري يصل إلى عصرنا من العصور الغابرة. شيء يمكن أن نعثر على صور كونية له تتمثل في ملاحم الشعوب العامرة بالمتخيّل، "الإلياذة والإنيادة"، وما بعدهما، "الماها بهاراتا"، وصولا إلى ملاحم العرب المتخيلة، لاسيّما عندما تستدعي ذاكرتي الجريحة بالصور العارمة نفسها.

بطولات فردية وجماعية مذهلة، من فتيان يحملون الطعام إلى المحاصرين ويموتون تحت التعذيب إلى شبان مصلوبين على الدبابات وفي أقبية الموت، إلى رجال يسحلون في الشوارع ولا يسمحون لكرامتهم أن تهان، جموع صرعت تحت العذابات، ولم تسمح للقاتل أن يستبيح كراماتها.

شبّان وصبايا يخرجون إلى شوارع الهتاف والرصاص ينهمر على أجسادهم. أيّ روح هذه..؟! أي نور للبطولة هذا..؟! والسوريون في هذه الملحمة تحوّلوا إلى جسد جماعيّ وروح جماعية، وقبلها كان كلّ سوري فرداً في جزيرة.

ما الذي تغيّر؟ كلّ شيء جديد في انتفاضة السوريين الباسلة. كلّ شيء فاتن، كلّ شيء خلاق، كل شيء خارق للمألوف ومتفوّق على ذاته، وقد وفى السوريون الحرّية، بعد سنوات الخضوع والذل، أثمانها الباهظة، من دون أنة شكوى، ولا لحظة ندم.

هذه هي الثقافة الجديدة، فلا حاجة بنا إلى درس أرفع من هذا الدرس، ولا يعوز هذه الانتفاضة وصف يتنزّل عليها من قمر "الثقافة" ومرّيخ "الفكر"، فهي درس ثقافي تاريخي. على الثقافة العربية في ضوء هذه الانتفاضة أن تعيد النظر بمجمل خطاباتها وبمعرفتها بذاتها. لا أريد للألم أن يجعلني أقول بموت الفكر وموت ضمير هذا الفكر، لكن شيئا ما لن يبقى كما كان، لا في سوريا ولا في الإقليم في ضوء التراجيديا السورية.

كيف ترى العلاقة بين الثائر والشاعر؟

-الشاعر ثائر، لا فجوة أو مسافة بين الكيانين، فالثائر، فعله في المجتمع والتاريخ يبدأ من منطقة الحلم. عندما نهض مارتن لوثر كينغ بدعوته لاستكمال تحرير زنوج أميركا من آخر حلقة في ربقة العبودية، من التمييز العنصريّ، بدأ خطابه بجملة افتتحت تاريخا جديداً: "عندي حلم" عند هذه العتبة انكسرت القيود، وتحوّل الثائر إلى شاعر.

ومن الحلم يولد الشاعر وتولد قصيدته من مصهر الحرّية. والشعراء الذين لا يحلمون هم بقايا عبيد، سرّاق كلمات من القاموس. انتفاضة الشعب السوري كشفت أقنعة الحرّية عن وجوه هؤلاء العبيد. عبيد الشهرة، وعبيد الدكتاتور، بِطانته السرّية المندسّة في عكاظ الشعر الحديث. وبأسرع ممّا تخيلوا صاروا في عيون جمهورهم رفاتاً. الشاعر، بداهة، هو صوت الحرّية وضمير الأمة وقت تموت الضمائر.

ذكرت في كلام سابق لك "بأنّنا لا نكتب ديوانا جديدا إلا لنفارق مَن كنّا من قبل". في ديوانك "يوم قابيل" الصادر مؤخرا، فارقت مَن في حياتك الشعريّة؟

الشاعر نوري الجراح يلقي كلمة في مظاهرة داخل سوريا (الجزيرة)

- في قصيدتي الطويلة "الأيّام السبعة"، وهي ليست فقط أطول قصائد ديواني الجديد، ولكنّها عموده الفقري، حيث نشيد مأساويّ مبلّل بالدم. كتابة هذه القصيدة فرضت علي مواجهة من نوع جديد بيني وبين لغتي الشعرية، مواجهة دامية للشاعر الذي كنت مع الكلمات التي تريد أن تكون، وبينما السوريّ ينشق على نفسه ويقتتل، بينما قابيل السوري يصرع شقيقه هابيل ثانية.

رحت في امتحان عسير بين كلماتي وأعصابي، بين لغتي ودمي، بين خيالي وخيال الجريمة، كنت أكتب وعيني على يدَي الشقيق وهو يهوي بحجر الغريزة على جمجمة الشقيق.

والآن عندما أعود لأقرأ هذه القصيدة أتساءل: من كنت في تلك الأوقات الشرسة في العالم ومع الكلمات؟ أي واحد من هذين الأخوين كنت ومن أنا الآن؟ وهل يمكن لقصيدتي أن تدلّني على نفسي ثانية؟

أسئلة كل ما أملكه نحوها هو الحيرة، لكن نور الأمل، هو ما فجر فيّ هذا النشيد الطويل الدامي، الذي يبدأ بسؤال ذهب بقدر الضحيّة إلى قدر القصيدة: "دم من هذا الذي يجري في قصيدتك أيّها الشاعر؟". ليأتي الجواب في نهاية القصيدة: "أنا لا أكتب قصيدة لكنّني أشم القميص لأبصر". هي، إذن، رحلة الكائن من العمى إلى البصر، معادل جمالي لرحلة الثائرين على الطغيان في الخروج من أرض الظلمات إلى النور.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات