أساليب القراءة وصناعة الآراء
آخر تحديث: 2013/7/27 الساعة 15:02 (مكة المكرمة) الموافق 1434/9/20 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/7/27 الساعة 15:02 (مكة المكرمة) الموافق 1434/9/20 هـ

أساليب القراءة وصناعة الآراء

أمير تاج السر
 
ذكرت من قبل بأنني من المهتمين بمتابعة ما يكتبه القراء من حين لآخر في مواقعهم المختلفة، من مدونات شخصية أو مواقع أخرى اختصت بتوفير أغلفة الكتب مع نبذة عن الكتاب ومؤلفه أو نسخ إلكترونية منها، وتركت لأعضائها المسجلين حرية أن يتحدثوا عن تلك الكتب ويدلون بآرائهم فيها من دون وصاية أو رقيب.

ولعل هذه واحدة من أهم ميزات الإنترنت الكثيرة، أنها انتقلت بشؤون القراءة من مقاهي المثقفين الروتينية وغرفهم المغلقة الهامسة إلى فضاء أرحب، وبالتالي ساهمت إلى حد ما في انتشار الكتب.

فالذي يقرأ تعليقا إيجابيا عن كتاب ما يسعى بالضرورة لمحاولة امتلاكه، وحتى الآراء السلبية مهما كانت عنيفة وقاسية، وفيها تجن أحيانا على الكاتب وكتابه، أيضا تساهم في الترويج لهذه السلعة التي لم تعد من أولويات هذه المرحلة، بظهور وسائل جذب أخرى أشد إغواء من شراء كتاب، ومحاولة العثور على وقت لمجرد تصفحه، لا قراءته كاملا.

وأيضا يشكل سعر الكتاب الورقي معضلة كبيرة، في الوقت الذي تكالبت فيه الأعباء على الناس، وأرهقت دخولهم البسيطة.

متابعتي لتلك المواقع لا تأتي من كوني كاتبا يبحث عن رأي في كتابته، ولكن بصفتي قارئا له تذوقه وآراؤه هو الآخر، فحين أقرأ كتابا ما ويعجبني أو لا يعجبني، أبحث عن آراء الآخرين فيه، وبالتالي أحدد موقعي في رقعة القراءة العريضة.

لقد استطعت في متابعتي تلك، أن أخرج بعدة نقاط، خاصة من قراءتي للتعليقات التي كتبت عن مؤلفات واسعة الانتشار، ولمؤلفين بعضهم فرض اسمه وبصمته الواضحة، وبعضهم ما زال يحاول، لكن حظا ما أو اجتهادا مبكرا أوقف كتابه على قدمين راسختين في سكة القراءة، وشد الكثيرين إلى التعليق عليه بهذه الكثافة.

ارتبط التعليق -خاصة الإيجابي- في أحيان كثيرة بجنسية الكاتب، هنا القراء يشجعون كاتبا من أرضهم، بالالتفاف حول كتابه، خاصة إن كان الكتاب مرشحا لجائزة ما

وإذا اعترفنا بأن القراءة وحب الكتاب مزاج في الآخر، لا يجب أن نحزن على رواية رائعة مكتوبة بإخلاص شديد، ولغة أخاذة، لم تنل حظا وافرا من التعليق، وإن علق عليها البعض، كتبوا كلاما بعيدا عن عالمها، ذلك ببساطة أن المزاج العام لم يتذوقها، وربما يتذوقها مزاج آخر بعيد، إن ترجمت إلى لغة أخرى غير لغتها التي كتبت بها. وفي الجانب الآخر تحظى رواية عادية، كتبت بلغة عادية بكثير من المدح، لأنها دخلت أمزجة الكثيرين، وأصبحت سلعة رائجة.

لقد تحدث أدونيس مرة عما أسماه "الذائقة المستقرة" أي الذائقة التي انحصرت في نوع مألوف من الكتابة، وأصبح من الصعب تجاوزه إلى غير المألوف أو المستحدث، وربما يمر زمن طويل قبل أن يصبح ذلك المستحدث، مستقرا في التذوق هو الآخر، ويحظى بالالتفات إليه ساعتها.

كذلك ارتبط التعليق -خاصة الإيجابي- في أحيان كثيرة بجنسية الكاتب، هنا القراء يشجعون كاتبا من أرضهم، بالالتفاف حول كتابه، خاصة إن كان الكتاب مرشحا لجائزة ما، تماما مثلما يشجعون فريقا لكرة القدم، إن فاز فقد فازت بلادهم. وإن خسر، فقد خسرت تلك البلاد.

وإذا ألقينا نظرة سريعة على الرواية، لأنها الجنس الأكثر سطوة في هذه الأيام، ويطمح الكثيرون من الشعراء وكتاب القصة القصيرة الراسخين، وحتى المؤرخين وغيرهم لكتابتها، ويتابعها القراء بشكل وافر، ناسين فنونهم وإبداعاتهم التي تخصصوا فيها، نجد أنها تشعبت كثيرا وارتدت أساليب كثيرة من ناحية العوالم وطريقة السرد، وإمكان تزيينها ببهارات عديدة من المخيلة، أو كتابتها من واقع أصبح في بعض حالاته يفوق المخيلة تأججا.

هناك روايات تأخذ من التاريخ بوثائقه المعروفة، وترصد حياة شخصيات كانت مساهمة بشكل أو بآخر، في رفعة مجتمع ما أو انحطاطه، مثل رواية ا"لمخطوط القرمزي" للإسباني العظيم: أنطونيو غالا، و"الجنرال في متاهته" لغارسيا ماركيز، حين رصدت شخصية الكاتبة سيمون دي بوليفار.

روايات كتبت التاريخ بلا وثائق، أي تخيل كتابها التاريخ بناء على معطيات قليلة عن حياة سابقة، ومجتمع قديم، واعتمدوا على الخيال في كتابتها، ومنها رواية "قلم النجار" القصيرة البديعة، للكاتب الإسباني مانويل ريفاس، والتي رصد فيها الحرب الأهلية الإسبانية، بكل شرورها وتداعياتها، لكن بشخصيات مخترعة، وحوادث لم تحدث إلا في نصه فقط، وقد ذكرت مرة بأنها الرواية التي كنت أتمنى لو كتبتها.

القراءة هي أيضا مثل الكتابة، أساليب شتى لكتابة النص وأساليب شتى لقراءته أو الاستمتاع به

روايات أخرى أخذت من الحياة المعاصرة كل شيء. أخذت الحلو والمر والناعم والخشن، والمحزن والمضحك من مجتمعات كتابها، ورصدته بخيال محسوب لا يتوه القارئ كثيرا في متاهاته.

القارئ إذن -وبالمزاج الذي ذكرته- ليس بالضرورة متذوقا لكل هذه الأساليب مهما عظمت، ومهما اجتهد كتابها في السرد. هناك من يتذوق الرواية التاريخية ويكتب تعليقا مطولا عن عشقه لرواية من هذا النوع، وتجد نفس هذا القارئ، يسخر من رواية معاصرة ربما تكون لنفس الكاتب الذي أحب روايته التاريخية، والعكس هنا صحيح، حين يحب أحدهم رواية معاصرة، ويبدو غير مقتنع برواية التاريخ، مبديا وجهة نظر مغايرة، لوجهة النظر العامة.

بالنسبة للكتابة في الأشياء التي كانت خطوطا حمراء في الماضي، وتحول بعضها إلى خطوط خضراء من كثرة ما طرقت في الكتابة تختلف الآراء بشدة هنا، فليس كل من يكتب في الجنس مثلا، يكتب بنزاهة وضرورة ملحة، وليس كل من يقرأ أعمالا زخرفت بهذا الموضوع سواء إن كان عن ضرورة، أو مجرد حشو قصد به زيادة حجم القراءة، يستطيع أن يقتنع بما قرأ، خاصة إن كانت ثمة عبارات خادشة للذوق العام، ترد صريحة، وبلا غطاء في النص.

وأظنني من النوع الذي لا يرضى عن مثل تلك النصوص كثيرا، ولا أجد ثمة ضرورة ملحة لكتابة ألفاظ، لا يستطيع الكاتب نفسه أن يطلقها علانية في بيته، وقد ذكر أحدهم تعليقا على رواية مكتوبة بهذا النسق، إنه قرأها بعيدا عن بيته، حتى لا يقرأها أحد من داخل البيت. على أن هذا الأسلوب وبكل ما فيه، يعجب قراء أيضا، ويوجد من يعلق عليه بإيجابية كثيرة.

إذن أخلص إلى أن القراءة هي أيضا مثل الكتابة، أساليب شتى لكتابة النص وأساليب شتى لقراءته أو الاستمتاع به، ولكن وسط كل هذا تجد آراء غريبة جدا من البعض، آراء عن كتب لم يقرؤوها حقيقة، وإنما سمعوا بها، وقاموا بكتابة تعليقات مستوحات من تعليقات لآخرين. وأيضا هناك من يترك رواية كاملة ممتلئة زخما، ويعلق بسلبية عن جزئية صغيرة فيها.
_______________
روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات