غلاف رواية "طشّاري" للعراقية إنعام كجه جي (الجزيرة)
هيثم حسين
 
من قصر الإليزيه في باريس إلى المقابر المتناثرة فوق أرض العراق، تنتقل الروائية العراقيّة إنعام كجه جي ببطلة روايتها "طشّاري"، تقتفي أثرها مدفوعة برغبة البحث عن الماضي الجميل والحلم الضائع وسط ركام الحاضر ونيرانه المستعرة. تعود بالذاكرة إلى بلدها، لتعيد رسم ملامحه مما تختزنه من ذكريات تبقيها على أهبة الأمل والحياة.
 
ترسم كجه جي في روايتها الصادرة مؤخرا عن "دار الجديد، بيروت، 2013" أطلس الويلات الذي يغرق فيه مهاجرون عراقيون، حيث الخرائط تتفتت تحت سياط الغربة وآلام الحنين، ولا تسعفهم الجغرافيا في التلاقي، فيكون اللجوء التالي إلى العالم الافتراضي، عسى أن يكون لمّ الشمل فيه أسهل، وإن كان فيه نوع من التحايل على الذات ومكابرة على الجراح.
 
كما ترصد صاحبة "سواقي القلوب" آثار الحروب المتلاحقة على العراقيين وتأثيرها العميق فيهم، ثم حروبهم الخفية التالية في مهاجرهم، وصراعهم ضد حنينهم الجامح إلى بلدهم الغارق في معمعة صراعات مزمنة لا تستدل إلى أي حل قريب.
 
تتحدث الراوية عن العصف الذي يجتاح أرواح العراقيين والعسف الملحق بهم في غربتهم
قسوة المنافي
"ورديّة إسكندر" بطلة الرواية، طبيبة رائدة في مجالها تبلغ الثمانين من عمرها، تحط بها طائرة اللجوء في باريس، بعد أن تفرق أبناؤها وأسرتها، كل في اتّجاه. الطبيبة المسيحية تكون مدعوة إلى قصر الإليزيه في حضور الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي وبابا الفاتيكان السابق بنديكت السادس عشر، تمثل وجها بارزا من وجوه الجالية العراقية في باريس، رغم أن الشيخوخة تكون قد نالت منها وأقعدتها. وتكون في قرارتها لائمة للبابا لأنّه زار المنطقة ولم يزر العراق.

تروي وردية لابنة أخيها -الراوية غير المسمّاة في الرواية- الكثير من الوقائع من الماضي القريب والبعيد، تتبادل الراوية السرد معها وتنقل عنها، تستنطقها وتحرض ذاكرتها، تعيش معها رحلة العمر، تسترجع برفقتها تاريخا مديدا من الأفراح والمآسي، تعيد بناء عراقها الخاص بها في ذاكرتها انطلاقا من ذاكرة عمتها، وذلك في مسعى منها للتكامل معها، وهما الغريبتان المنفيتان في باريس، ويسكنهما معا داء الحنين إلى بلدهما.

وتعود بطلة الرواية إلى سنوات طفولتها وترعرعها في بيئة مسلمة، ثمّ انتقالها لدراسة الطب في بغداد، وبعد ذلك انتقالها للعمل في الديوانية، وكيف كانت كل مرحلة مفعمة بالتغييرات وحبلى بالمستجدّات. تنتقل من العهد الملكي إلى ما تلاه من انقلابات وثورات غيرت تركيبة البلد وراكمت الأخطاء وعقّدت المشاكل، وكيف كان بطل عهد ما مجرما في الآخر، وهكذا دواليك، تنقلب الأمور بالناس، وتتغيّر الأحوال.

يعيش أبناء ورديّة بدورهم شتاتهم الذي هو جزء من شتات العراقيّين. ابنتها "هندة" طبيبة تعيش في كندا مع زوجها المهندس وأبنائها، وابنتها الأخرى "ياسمين" تعيش في دبي، وابنها يعيش متنقلا بين عدة مدن، يستقر به الترحال في هاييتي للعمل هناك، وهي تكون في فرنسا بانتظار الموافقة على طلب ابنتها بلمّ الشمل والتمكن من الذهاب إلى كندا. وتظلّ تنتظر أن يجتمع شملهم في مكان واحد، وهو ما لا يحصل.

تتحدّث الراوية عن العصف الذي يجتاح أرواح العراقيين والعسف الملحق بهم في غربتهم، يكون ابنها "إسكند" نموذج الشاب العراقي المندمج في الحياة الباريسية، لكنّه يكون مشدودا إلى الجذور، يصمّم مقبرة افتراضيّة لذويه الذين لا يعرفهم، وكيف أن كل واحد منهم مات في جهة أو دفن في مكان بعيد، بحيث إن أية محاولة للمّ الشمل تكون محكومة بالفشل والاستحالة، فيستعيض عن ذلك بلم شمل افتراضي، وإن كان عبر الدفن في مقبرة افتراضية، لتكون المقبرة المفترضة نقطة مواساة وتعزية في ظل انعدام أية مواساة واقعيّة.

تصوّر كجه جي التسامح، الذي كان سائدا في العراق سابقا، بنوع من الحنين الوقاد إلى زمن الصفاء والمحبة، حين كان الناس يتعايشون كإخوة لا يفرق بينهم دين أو مذهب

الوطن الضائع
عنوان الرواية محمّل بالأبعاد والدلالات، يرمز في اللهجة العراقية إلى ما معناه التفرّق في الاتّجاهات والتشطي والتبعثر: "تطشّروا مثل طلقة البندقية التي تتوزّع في كلّ الاتّجاهات" (ص: 90). وهو في العمل الروائي يختصر بوح الراوية التي تكون شاعرة تختار هذا العنوان لديوانها المنجز غير المنشور.

تستلهم عنوانها من أدوات الحرب الدائرة، تضفي عليه دلالات واقعية من قلب حياة المنافي ومكر المهاجر. كما أنه يكون مفتاحا لتصوير الأماكن التي توجد فيه شخصياتها، من ذلك تسليطها الضوء على عوالم الهنود الحمر في كندا من خلال شخصية "هندة"، وإبراز كيفيّة التعامل معهم وتصوير طقوسهم ومفارقات غريبة من واقعهم.

تستخدم الروائيّة أكثر من طريقة في سردها، تنتقل من راوية إلى أخرى، تلجأ إلى الرسائل المتبادلة أحيانا لتكون مساحة للتعبير من قبل الشخصيات، وهو تنويع يرد موظفا في سياقه، لكن يلاحَظ أن الكاتبة اقتصرت في اختيارها للرواة على النساء وغاب صوت الرجل العراقي كمتصدر للحدث وبوّاح بالهواجس، كما بدا حضوره خافتا ومرتبكا في ظل طغيان صورة المرأة، وكأنّها بذلك تعوّض تغييب المرأة الواقعي، وتمنحها الحيز المفتقد واقعيا.

تصوّر صاحبة "الحفيدة الأميركية" التسامح الذي كان سائدا في العراق سابقا بنوع من الحنين الوقّاد إلى زمن الصفاء والمحبّة، حين كان الناس يتعايشون كإخوة لا يفرّق بينهم دين أو مذهب.

ويكون الحنين مترابطا مع توصيف المآلات التي وصل إليها العراق اليوم، بعد سلسلة من الحروب المدمّرة التي فتّتت البلاد وشتّتت العباد ونثرتهم بين المقابر والمهاجر. ليكون حالهم "طشّاري"، كالطلقة المتشظية المتناثرة في الآفاق.

المصدر : الجزيرة