جانب من ندوة الهوية والأمن الثقافي ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي بالمغرب (الجزيرة)
نزار الفراوي-أصيلة
 
شكل مفهوم الأمن الثقافي موضوع نقاش معمق على مدى يومين ضمن فعاليات الموسم الثقافي لمدينة أصيلة (شمال المغرب) بمشاركة خبراء وباحثين وصناع سياسات ثقافية عرب وأجانب، وتناولت ندوة الموسم مفهوم الأمن الثقافي في علاقته بثنائية الهوية والتنوع الثقافي.

وفي مداخلتها أجابت الناشطة البريطانية إليزابيث بنغام عن مكونات الأمن الثقافي بالقول إنه الإحساس المشترك بالإنصاف تجاه جميع أعضاء المجتمع، فقراء كانوا أم أغنياء، رجالا أم نساء، مواطنين أم غير مواطنين.

وقدمت بنغام تشخيصا لحالة تدبير التنوع الثقافي في العاصمة البريطانية لندن التي أصبحت على حد قولها "قرى تتسم بثقافات عرقية مختلفة لا متنافرة"، في إشارة إلى تناسل الكتل المهاجرة. وخلصت إلى القول إنه "كلما تأسست التعددية على الخصومة لابد أن تشكل تهديدا خطيرا على استقرار المجتمع"، وإن النوع قادر على إثراء الثقافة الأصلية بدلا من تهديدها.

يكون التفاعل الخلاق والتحلي بمنظور نقدي تحليلي لحركة الصادر والوارد من العناصر والمحامل الثقافية بمختلف أنواعها أنجع المداخل لضمان صمود الهوية في طاحونة الزمن وتطورها وإغنائه

تأطير مفاهيمي
وكان تدخل بنغام بمثابة تأطير مفاهيمي سمح بملامسة مفهوم الأمن الثقافي في انتقاله الديناميكي من مقاربة دفاعية محضة ترفع السيوف والدروع تجاه الوارد من الأفكار والتجارب والقيم حفظا لهوية نقية صافية مثالية، إلى مقاربة تفاعلية منفتحة تضع "الغيرية" في قلب الهوية وتعرف الذات كحركة حضارية مدعوة للتلاقح والتبادل مع باقي الذوات الحضارية التي تشكل جميعها خلاصة التجربة الإنسانية ككل.

لقد استقر رأي المشاركين في الندوة على أن الهوس الدفاعي الذي يضع تحديدا نهائيا ومغلقا للهوية ويجعلها قالبا جامدا في منأى عن احتمالات التغير والتكيف مع محيطها وعصرها، ونقد ذاتها في علاقتها بالآخر، أقصر الطرق لتهديد هذه الهوية بالأفول والاضمحلال من حيث إنه كان يتطلع إلى صونها واستدامتها.

ومن هذا المنظور يكون التفاعل الخلاق والتحلي بمنظور نقدي تحليلي لحركة الصادر والوارد من العناصر والمحامل الثقافية بمختلف أنواعها أنجع المداخل لضمان صمود الهوية في طاحونة الزمن وتطورها وإغنائها.

وفي سياق الربيع العربي، بدا أن سؤال الهوية يكتسي أهمية بالغة الحساسية في غمار بناء دول حديثة تقطع مع الاستبداد. فلئن كانت الأنظمة الشمولية المنهارة قد أخمدت مختلف التعبيرات الجزئية ذات المنحى الإثني أو اللغوي أو الديني، فإن الأجواء الجديدة سمحت بانبعاث هذه الأصوات الهامشية التي تنافح عن حقها في الاعتراف ضمن الفسيفساء الوطنية، وإن كان توظيفها لا يخلو أحيانا من مرام سياسية ضيقة تخدم أجندات تخريبية.

في سياق الربيع العربي، بدا أن سؤال الهوية يكتسي أهمية بالغة الحساسية في غمار بناء دول حديثة تقطع مع الاستبداد

الاعتراف بالتنوع
وبالتالي، يغدو التحدي الأساسي على هذا الصعيد -حسب المتحدثين- إيجاد صيغ ديمقراطية لتدبير التنوع الثقافي والاغتناء بمختلف المكونات الثقافية للأمة في إطار الوحدة والتضامن والاعتراف المتبادل.

وخلصت الندوة إلى الطابع الملح لوضع ميثاق اجتماعي قومي يحقق الوحدة الكلية التي تندمج فيها مختلف العناصر الثقافية بصيغة تحترم وتثمن كل عنصر على حدة، بما يضمن الاستقرار والتعدد.

وقد تم تبني مشروع هذا الميثاق في حضن مؤسسة الفكر العربي بعمان، كما عرضه الأمين العام للمؤسسة الصادق الفقيه، الذي اعتبر أن الوثيقة تكرس توافق مختلف القوى المجتمعية على الاعتراف المتبادل.

واستاثر التعامل مع التراث بجانب هام من أشغال اللقاء. وفي مواجهة العولمة وتيارات ما بعد الحداثة باستهتارها بكل ما هو عتيق وسعيها إلى التنميط وفق قوالب فكرية أحادية، جاءت دعوة وزيرة الثقافة البحرينية الشيخة مي بنت محمد بن إبراهيم آل خليفة إلى تجديد الاهتمام بالتراث دون تكليسه، بل وضعه في سياق التلاقح والتبادل مع الآخر.

وحضرت الحالة الفلسطينية في أبعادها الثقافية بقوة، إذ استعرض الروائي ووزير الثقافة الفلسطيني السابق يحيى يخلف مشهد "تراث فريد يتعرض للعبث والانتحال والتدمير على أيادي سلطات الاحتلال الإسرائيلية في عموم الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبشكل خاص في القدس، حيث تتعرض المدينة إلى عملية تهويد وتغيير طابعها الحضاري والإنساني".

وقال يخلف في ذات السياق إن فكرة يهودية الدولة تضرب في الصميم فكرة التنوع والحوار ومبادئ المواطنة، بل توفر غطاء من أجل ترحيل من تبقى من العرب داخل إسرائيل في ما تسمى بسياسة الترانسفير.

المصدر : الجزيرة