غلاف رواية "موفيولا" للروائي الفلسطيني تيسير خلف (الجزيرة)
هيثم حسين
 
في روايته "موفيولا" يشير الروائي والصحفي الفلسطيني تيسير خلف إلى جوانب من ريادة الفلسطيني في الوعي بوسائل الإعلام ووجوب المقاومة عبر الفن، وكيف أن الصورة باتت وسيلة حربية دعائية هامة في إثبات الأحقية بالمكان والأرض أو نزعها، كما يسرد جوانب من معاناة الفلسطيني في رحلة شتاته وتشرده.

يروي خلف في روايته التي نشرتها مؤخرا "دار فضاءات، عمان"، سيرة المخرج الفلسطيني الراحل محمد صالح الكيالي بنوع من التوثيق والتأريخ، يسترجع محاولاته في تحدّي الاحتلال البريطاني والصهاينة في الهيمنة على فلسطين، وكيف أنه تمسّك بذاكرته وحاول توثيقها في أعماله، لتكون شاهدة على الإجرام المستمر بحق الأرض والشعب.

ويبرز الكاتب عبر شخصية الكيالي الدور الذي نهض به الأدباء والفنانون في تحدي الاحتلال، وكيف تمّ تكميم الأفواه، والتعتيم على محاولات التصدي للهجمات التي رامت تغيير معالم الأرض ونفسيات البشر، بغية تقديم صورة مغايرة لما هو موجود، وإبراز جوانب الخلل وتعميمها وجعلها الأصل في حين أنها الصورة المشوّهة.

ويختار الكيالي ليكون الشاهد الشهيد على مرحلة مفعمة بالتغييرات المفصلية، وتكون الشخصيات التاريخية الفاعلة حاضرة في المشاهد وعلى مسرح الأحداث. كما يرصد رحلة مفتي فلسطين الراحل محمد أمين الحسيني من فلسطين إلى بيروت إلى بغداد وإسطنبول وروما وبرلين والقاهرة وغيرها من المدن، ودوره في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ولقاءاته مع قادة العالم كموسوليني وهتلر وغيرهما.

يلتقط خلف بذور انبثاق الوعي المقاوم والتركيز على الفن كوسيلة مقاومة، ذلك أن بطله استشف خطورة القادم فحاول المحافظة على تفاصيل المكان المحتل بالصورة والصوت

الوعي المقاوم
ويعرّج الروائي الفلسطيني على الكثير من المشاريع والوعود التي سِيقت للدفاع عن الحق العربي والفلسطينيين قبيل الحرب العالمية الثانية وأثناءها، وكيف تمّ تجيير العرب لخدمة مشاريع الآخرين وأهدافهم، ثم التنكر لهم تاليا.

يلتقط خلف بذور انبثاق الوعي المقاوم والتركيز على الفن كوسيلة مقاومة، ذلك أنّ بطله استشفّ خطورة القادم فحاول المحافظة على تفاصيل المكان المحتل بالصورة والصوت، وكانت وسيلته في ذلك آلة التصوير التي برع فيها، والتي لم تسعفه في إكمال مشروعه والحفاظ على أرضه وشعبه، بل تسبّبت له بالكثير من الإشكالات، وأبقته في ترحال دائم وغربة متجدّدة.

وبعد سلسلة من الخيبات والنكسات، يموت الكيالي في اليوم الذي زار فيه السادات تل أبيب وعادت جثته مع عودة السادات إلى القاهرة، وكأن الأقدار شاركته نكبته الشخصية ورحمته كي لا يرى المزيد من التفتت والضياع.

يتخذ خلف من "الموفيولا" -وهي آلة المونتاج السينمائية القديمة- محركا لأحداثها وشخصياتها ويبني روايته على صور مكانية وزمانية، وفي الوقت نفسه ينوّع في بناء الفصول، ففي الفصل الأول مثلا يستخدم تقنية الداخل والخارج، وكيف يكون الصوت الداخلي صدى للمسموع أو مغايرا له.

ففي حين كانت الشخصيّة تهجس بهواجسها وتستعيد بعض الأحداث التي مرت بها، يكون صوت المطرب محمد عبد الوهاب رجع صدى، وتكون مقاطع أغنيته التي تتخلّل الاسترجاع والتذكّر نقطة ارتكاز واقعيّة ولحظة الإعادة إلى الواقع، وإن كان البطل تائها في خياله وأحلامه.

وتتغير طريقته الفنية في بناء فصوله التالية، فمن جهة الرواة نراه يعتمد صوت الراوي العليم، مع تسريبات لأصوات الشخصيات التي تأخذ حيزها حين المبادرة والتعبير، فتشكّل المشهد كما تقدّمه من الذاكرة، ويكون التغيير التالي في المبادلة بين الرواة أنفسهم، مع الإبقاء على خيط السرد لدى الراوي.

ينتقي خلف من التاريخ ما يخدم فكرته، وينسج سيَر شخصياته الواقعية والمتخيلة لتكون حاملة لرؤيته وداعمة لفكرته، وذلك دون أن يستجرّ التاريخ أو يستدرجه ليحكم عليه بمعايير اليوم أو مفاهيمه

دروس التاريخ
ويحرص خلف على تقديم الأزمنة والأمكنة بنوع من التوثيق، وكأنه بصدد إعادة كتابة التاريخ، متخيلا ما كان وما كان يفترض أن يكون، يبدأ بمخيم شاتيلا يوم 18 سبتمبر/أيلول 1982 -مذبحة المخيم الشهيرة- مرورا بالكثير من المدن والتواريخ السابقة على ذلك، كعودته إلى يافا سنة 1925، ثمّ عام 1935، ثمّ القدس عام 1937، وبعدها أمكنة كثيرة تتكامل لتختم الدائرة التي تعود إلى مخيم شاتيلا عام 1987.

ويعتمد الروائي على مراجع تاريخيّة يذكر أنّه استفاد في عمله منها ككتاب "السينما الفلسطينية" لقاسم حول، و"مذكّرات الحاج محمد أمين الحسيني"، و"مذكّراتي" لذو الكفل عبد اللطيف، والأرشيف الشخصي للمخرج محمد صالح الكيالي، وكذلك أرشيف معهد لوتشييه السينمائي في روما.

يستعير خلف طريقة المونتاج السينمائي في روايته، ليقدم المشاهد الملتقطة من التاريخ في سياق الأحداث التي يرسمها، ويكون وفيّا لعنوانه الذي يشير إلى آلة التحرير السينمائي أي المونتاج. والتي يوضح أنها مرت بمراحل متعددة من التطور، منذ ظهورها للمرة الأولى في هوليود عام 1924 وكانت تكلفتها باهظة للغاية.

ويشير إلى اختراع السينمائي الفلسطيني إبراهيم حسن سرحان موفويلا خاصة به عام 1938 بتكلفة منخفضة جدا، وبحلول ميكانيكية وظل ينجز تقطيع وتركيب أفلامه فيها حتى 1948. وكيف أنّه استفاد من خبرته كـ"سمكري" سابق وسينمائي لاحق، ومزج بين ما ورثه عن أبيه من حرفة وما عشقه من فن ليبدع آلته الخاصّة.

من خلال "مافيولته" الخاصة ينتقي خلف من التاريخ ما يخدم فكرته، وينسج سيَر شخصيّاته الواقعية والمتخيلّة لتكون حاملة لرؤيته وداعمة لفكرته، وذلك دون أن يستجرّ التاريخ أو يستدرجه ليحكم عليه بمعايير اليوم أو مفاهيمه، ودون أن ينطلق من أحكام مسبقة جاهزة.

ويظهر الروائي الفلسطيني كيف أن التاريخ يظل حقلَ ألغام يغري بالتنقيب فيه، ونراه يستخدم صيغة المضارع للحديث عن الماضي متوجّسا من استعادة ذاك الماضي وامتداده الموجع في آن.

المصدر : الجزيرة