أمجد ناصر

بما أن شعار "الجيش العربي" كان يلمع على جبين محيطي العائلي كله، فقد ظل بمنأى عن أحاديث السياسة. أهلي ملكيون حتى النخاع، ولم يكونوا ليتقبلوا نقداً، مهما قل شأنه، حيال الملك. كانت أمي هي التي تردُّ بنبرة تفوّقٍ -لا تخفى- بعض أقاربي الذين يأتون من سوريا على أعقابهم عندما يتفوهون بانتقاد للأردن.

ولطالما أثارت أحوال كهذه أفضل مخزونها من الأمثال الساخرة التي لم أعرف أحدا له هذه القدرة على حيازتها وإصابة الهدف على نحو قاتل بمثل واحد لم يكن نادرا. والحال أن تطال سخريتها نمط حياتهم "المتخلف" وصولا إلى سلطة "البعث" التي كانت تظنها شيوعية. والغريب في الأمر أن أمي التي ظلت الأكثر بداوة فينا، ولم تتغير لهجتها حتى آخر يوم في حياتها، كانت تأخذ على أولئك الأقارب بداوتهم فيما كان بمقدورها جرد قائمة طويلة بعناصر التمدين الذي أحرزناه في الأردن.

بالمقابل لا أذكر أنني سمعت والدي يتحدث في السياسة فهو رجل عسكري شديد الانضباط، مؤمن بنوع من الورع الديني، بشعار الأردن: الله، الوطن، الملك.

ولكن في حي "جناعة" الزرقاوي الذي ضمَّ خليطا من الناس ذوي الأصول الأردنية والفلسطينية والسورية والقوقازية، كان هناك من يتعاطف مع سيد اللحظة العربية بلا منازع: عبد الناصر.

ومن عاش تلك الفترة، حتى وإن كان صبيا مثلي، يدرك أن الأهلين انقسموا في مواقفهم حيال هذا الزعيم المصري الذي طبق صيته الأفق إلى فريقين: واحد يناصره بلا تحفظ، والثاني يعاديه بلا هوادة.

وكان يمكن، ببساطة، معرفة الأردنيين البدو، بين جيرانهم، من موقفهم حيال عبد الناصر، خصوصا عندما تتأزم العلاقة بين الرئيس المصري والأردن.

كان الانقسام حول عبد الناصر حقيقيا وعميقا، ويمكن أن تترتب عليه آثار خطرة. لم يكن "الناصريون" من المواطنين المتيمين بطلَّة الزعيم المصري المميزة وبصوته الذي يلهب مشاعرهم في الخطب التي يخلط فيها العربية الفصحى بالعامية المصرية هم الذين يشكلون خطرا على النظام، وإنما أولئك الذين كانوا يسعون داخل المؤسسة العسكرية، تحديدا، إلى إطاحة النظام الملكي وإقامة جمهورية تنضم إلى الحلم الناصري بوحدة عربية شاملة. وحدة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، حسب التعبير الشائع لـ"صوت العرب".

وقد ثبت خطر هؤلاء أكثر من مرة. فقد كان والدي في كتيبة مدرعة يقودها أحدهم ولكنه مع بضعة عسكريين غيره، لم يمتثلوا لأوامره في الزحف إلى عمان، ففشلت محاولة الانقلاب تلك.

أول أحاديث السياسة التي سمعتها في حياتي كانت حول عبد الناصر، ولم يكن ذلك جهرا، ففي ذروة التأزم بين عبد الناصر والملك حسين كان ذوو الميول الناصرية يهمسون بأخبار زعيمهم المحبوب همسا، حتى إنهم كانوا يسمعون الإذاعة المصرية (صوت العرب) سرا. ولا أدري مدى صدقية الشائعة التي راجت بين الأهلين على نحو واسع، وتقول إن رجال المباحث كانوا يسترقون السمع تحت شبابيك المشبوهين ليتأكدوا من أنهم يسمعون "صوت العرب" أم لا، فإذا تأكد لهم ذلك، ثبتت تهمة الناصرية عليهم بالوجه الشرعي.

بعض الدهاة -حسب تلك الشائعة- كانوا "يكمرون" أنفسهم بالبطانيات ليحولوا دون وصول صوت عبد الناصر أو أحمد سعيد أو محمد حسنين هيكل إلى تلك الآذان التي تتفتح، تحت شبابيكهم، كلاقطات صوت حساسة.

المرات القليلة التي سمعت فيها حديثا في شؤون السياسة في بيتنا كانت عندما "يتعلَّل" (يسهر) عندنا جارنا أبو منصور مختار "العطاونة" (السبعاويين) في جناعة.

لهذا الرجل صورة أسطورية في خيالي. لعله كان، آنذاك، في أواسط الستينيات من عمره، ولكن له قامة مستقيمة، نحيف، خفيف الحركة، يكاد يقفز عندما ينهض للسلام على أحد، ذو وجه أسمر مشدود، وعثنون صغير أشيب، وعينين تشعان ذكاء. تعرف وهو يتكلم، خصوصا مع أهلي أنه يجهر بنصف رأيه ويكتم نصفه الآخر.

فرغم تأكده المطلق من مناقب والدي الأخلاقية وحرصه على جيرانه إلا أنه لم يكن يطلق العنان لما يجول في نفسه أمامه. كان أبي يجيب على كلام أبي منصور بكلمة أو كلمتين، ما يعني أنه لا يجاريه في رأيه، أو أنه لا يرغب في مجرى الكلام برمته.

هل كان أبو منصور ناصريا؟ سنعرف أنه لم يكن كذلك.. ولكن بعد أن تقع هزيمة يونيو/حزيران وتلقي بظلالها السوداء على المشروع القومي العربي الذي كان يتزعمه عبد الناصر.

***
كان والدي عسكرياً في اللواء 60 المدرع بإمرة الشريف زيد بن شاكر، قائد الجيش الأردني اللاحق ورئيس الوزراء في أواسط التسعينيات، وقد تركت الاندفاعة الإسرائيلية السريعة في الضفة الغربية قوات هذا اللواء وراءها، فلم يصلنا خبر عنه، أسوة بكثير من العسكريين الذين نعرفهم، إلا بعد أيام من انتهاء الحرب.

كان جدي، وهو رجل مقدود من الفولاذ وخيّال ماهر شارك في الثورة السورية ضد الفرنسيين وانضم، باكراً، الى قوات الأمير عبد الله بن الحسين، يزورنا في "جناعة"، كما دأب على ذلك مرتين أو ثلاث مرات في السنة، فذهبت معه للبحث عن والدي في سيارة عسكرية لأحد جيراننا، تحت إلحاح الذعر الذي أصاب أمي على مصير أبي.

أظن أنها كانت المرة الأولى التي عرفت فيها ماذا تعني الحرب؟ وأي فرق بينها وبين لعبة الحرب التي كنا نلعبها، نحن الأطفال، في الشارع ونهزم فيها إسرائيل على إيقاع المارشات والأغاني الوطنية التي تنطلق من راديوهات البيوت

عرفنا من جارنا العسكري أن بعض قوات اللواء ستين المدرع يتوضَّع في منطقة "وادي شعيب"، وبسؤال العسكريين منكسي الرؤوس الذين كنا نصادفهم على الطريق تمكنا من الوصول إلى حيث توجد كتيبة والدي.

كان الوقت ظهرا والشمس تصب جام غضبها على الرؤوس. وجدنا والدي بالقرب من إحدى الدبابات المغطاة بشبك زيتوني لتضليل الطائرات التي لا أظن أن والدي سينسى أزيزها وانقضاضها على آلياتهم المسكينة التي لم تكن تملك غطاء جوياً، ما تبقى له من عمر.

كان أشدَّ سمرة من المعتاد. حدثنا قليلا عن الحرب وأخبارها وأخذنا ساعته كدليل، ملموس، لطمأنة أمي على أنه حي يرزق.

أظن أنها كانت المرة الأولى التي عرفت فيها ماذا تعني الحرب؟ وأي فرق بينها وبين لعبة الحرب التي كنا نلعبها، نحن الأطفال، في الشارع ونهزم فيها إسرائيل على ايقاع المارشات والأغاني الوطنية التي تنطلق من راديوهات البيوت.

***
قبل هزيمة يونيو/حزيران 1967 بفترة قصيرة انتشر بين بعض الفلسطينيين انتماء سري إلى تنظيم سياسي غير معروف الهوية كثيرا يدعى "حركة فتح". وليس من المستبعد أن يكون "أبو منصور"، الذي كنا نظنه ناصريا، من المتصلين بأطرها في الأردن.

سيتأكد لنا، فعلا، أن للرجل صلة بهذه الحركة. وسيخرج أبو منصور كـ"فتحاوي" إلى العلن مع الوجود المعلن للمقاومة الفلسطينية في الأردن.

بين عامي 1967 و1970 تغير الأردن كثيرا.

لم يعد يشبه البلد الذي تمكن -عبر زوابع المرحلة الناصرية والبعثية- من إحباط كل المحاولات التي استهدفت تغيير نظامه، أو ارتباطاته السياسية الدولية. اهتزت هيبة الدولة وتخلخلت أركان النظام بعد هزيمة 1967 (كما حدث في أكثر من بلد عربي مجاور لفلسطين) وتحول الوجود السري لمنظمات المقاومة الفلسطينية، إلى وجود علني مكثف أصبح، تقريبا، دولة داخل الدولة.

انكمش وجود الدولة الأردنية في إطار دوائر الخدمات المدنية وتقوقع الجيش في معسكراته، وحلت، في كثير من المناطق، قوى الكفاح المسلح (الشرطة الفلسطينية) محل الشرطة الأردنية، أو في أحسن الأحوال، إلى جوارها.

صارت "الزرقاء" -كما هو شأن عمان- مدينة للفدائيين الذين احتار الأهلون في معرفة أسماء تنظيماتهم أو عددها. وبالنسبة للولد الذي كنته آنذاك فقد بدا التغيير الذي شهدته البلاد، وانعكس على البيت، خلاقا وملهما واستثنائيا إلى حد بعيد. إنها الفوضى التي طالما حلمت أن تحل في البيت والعالم كاسرةً كل قواعد الانضباط.

كان ذلك يعني غيابا أطول لوالدي عن البيت، مكوثا أطول في الشارع، والحلم بارتداء زيٍّ مرقطٍ مثل كثيرين من أبناء الحي الأكبر سنا.

لقد انقلبت الآية، فالسيد لم يعد سيدا والمسود لم يعد كذلك. صار بمقدور فران، أو دهان، أو عامل بناء، أن يكون فدائيا تشخصُ الأنظار إلى بندقيته وزيّه المرقط وشعر رأسه ولحيته الطويلين الأشعثين

لقد انقلبت الآية، فالسيد لم يعد سيدا والمسود لم يعد كذلك. صار بمقدور فران، أو دهان، أو عامل بناء، أن يكون فدائيا تشخصُ الأنظار إلى بندقيته وزيّه المرقط وشعر رأسه ولحيته الطويلين الأشعثين، وكان هذا يعني أن فلسطين -التي طرد اليهود منها كثيرا من جيراننا- قد أصبحت قاب قوسين من عودة أهلها إليها.

تحولت بيوت في جناعة إلى مكاتب لتنظيمات عديدة، وصارت المنطقة الفارغة بين سكة الحديد ومخيم اللاجئين معسكرا لـ"أشبال فتح" الذين انضم بعض أصحابي إليهم، وصرنا نرى ملصقات لرجال غريبي الأطوار بلحى كثة، تنتشر على الجدران وكتبا تحمل أغلفتها صورهم، ورايات حمرا ترفرف على تلك المكاتب.

بالقرب من بيت أحد أبناء عمومتي كان هناك مكتب لتنظيم بدا الأكثر إثارة بالنسبة لي، خصوصا عندما أقدم رجاله على اختطاف ثلاث طائرات مدنية عملاقة وإنزالها في منطقة صحراوية قريبة من الزرقاء سموها "مطار الثورة".

العالم كله وقف على قدميه والطائرات المدنية الثلاث ترابط في تلك المنطقة الصحراوية. كنا نرى أعضاء ذلك التنظيم وهم يعودون من "مطار الثورة" مستشارين بالحدث، مجللين بالغبار، مفتخرين بالانتماء إلى التنظيم الذي حبس أنفاس العالم، وجعله يشخص، شرقا وغربا، إلى تلك المنطقة التي لم يتصور أحد من قبل أن بإمكان طائرات مدينة ضخمة أن تحط عليها، وتجعلها مطارا.

كان ذلك التنظيم بالطبع، هو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وسيظل اسمه في مخيلتي بعد ذلك الحدث الدرامي الذي انتهى -لحسن الحظ- نهاية سعيدة.

ربما يكون ذلك الحدث الذي شهدته طفلاً هو الذي قادني لاحقا، باللاوعي، إلى الانضمام إلى ذلك التنظيم، ثم العمل في مجلته "الهدف" التي أسسها الشهيد غسان كنفاني، وتحمّل مسؤولية قسمها الثقافي لفترة من الوقت.

سيكون على هزيمة يونيو/حزيران 1967 (أو ما يشبهها) أن تتكرر في العقود اللاحقة. لن يكتب، كما بتنا نعرف اليوم، لـ"الرد على الهزيمة" أن ينتصر، أو أن يصبح موقفا عربيا. فسوف تتمكن الأنظمة العربية نفسها التي قادتنا إلى الهزيمة من البقاء، بتغيير طلاء بعضها قليلا، وسيكون على الثورة أن تتكيف مع واقع النظام العربي، ثم تتحول -تدريجا- إلى نسخة كربونية منه.

سيظل الوضع هكذا إلى أن تهزَّ حناجر الشباب العربي وقبضاتهم الغاضبة هذا الأفق البليد وتصنع لنا فرصة تاريخية للتغيير آمل أن لا نضيعها فنضيع.

المصدر : الجزيرة