غلاف رواية "مرسى فاطمة" للصحفي والكاتب الإريتري حجي جابر (الجزيرة)
هيثم حسين
 
يتتبع الكاتب والصحفي الإريتري حجّي جابر في روايته "مرسى فاطمة" مسارات بعض الإريتريين الحالمين والهاربين. يرتحل بطله بين عدة أمكنة، وفي كل مكان بالجوار الإريتري ظلم وقسوة واستغلال وهروب مستمر من عصابات الاتجار بالبشر، وعالم آخر موبوء بين "كذبة الوطن" وقسوة المنفى.

بطل "مرسى فاطمة" الصادرة مؤخرا عن "المركز الثقافي العربي ببيروت" شاب إريتري ينتقل من قريته الجبليّة الوادعة إلى ضجيج أسمرا، يعاني قليلا في سبيل أن ينزع رداء معلم الخلوة، ليغرق في سوق المدينة بائعا في متجر للأقمشة، حيث يعمل عند الحاج "برعان" الذي يخفف عليه صدمة التحوّل الكبير، ثمّ يأتي صديقه جبريل ويمنحه فرصة التأقلم مع أسمرا، مع أضوائها، وناسها، وحكاياتها التي لا تأتي متشابهة أبداً.

يحاول جبريل إخراجه من حالة الخيبة التي تملكته. يعتاد البقاء في مرسى فاطمة بانتظار حبيبته التي يشاع خبر اختفائها ويروج أنها رُحّلت إلى ساوا أو السودان. فيقرّر تتبّع مسارها المظنون، يبادر إلى التطوع بالخدمة، رغم إعفائه منها، يدرك أنه لن يصبح في نظر الناس بطلا، أو مناضلا كامل الوطنية، لأنهم سيعرفون لاحقا أنه ما فعل ذلك إلا للحاق بحبيبته، فلا شيء في أسمرا يبقى سرّا إلى الأبد.

يحذره صديقه من مغبّة ما يقدم عليه وخطورته، وينبّهه أنّه يحكم على نفسه بحياة أبديّة في إطار العسكرية، وأنه سيقضي عمره في ميادين التدريب متنقلا بين حمل السلاح وموادّ البناء. وحين يتقدم بطلبه للالتحاق بالعسكرية يثني عليه الضابط ويخبره بأنه ليس كأولئك الخونة الذين يتهربون من الخدمة الوطنية.

يرصد جابر آثار الاحتلال الإيطالي وتأثيراته العميقة في بنية المجتمع، ثم يلتقط محاولات تصحيح متأخرة للصورة القديمة

وطن ضائع
ضواحي أسمرا التي يثني عليها الروائي من خلال شخصيّاته لم تكن في الحقيقة إلا مرسى فاطمة. ويخبرنا على لسان شخصيته بطرس أن مرسى فاطمة اسم أطلقه "الجَبَرتة" على الشارع تيمنا باسم جزيرة مباركة قرب مصوّع سكنتها امرأة صالحة من نسل الصحابة، ليحل محلّ اسم الإمبراطورة "مِنِّنْ" زوجة "هيلاسلاسي"، والتي اختارته دون سواه ليحمل اسمها.

ويشير إلى أن الشارع يبدأ بكنيسة "إندا ماريام" وتنتهي تفرعاته عند جامع الخلفاء الراشدين، وقد بناه الإيطاليّون بأموال تاجر يمنيّ استوطن أسمرا. ويذكر أن مرسى فاطمة يمثل وطنا رحبا لكل سكانه.

يصادق في ساوا "كداني" الذي يبدو واسع الثقافة والاطلاع، يقرأ فصولا من "مزرعة الحيوان" لأورويل، يجري مقارنات بين ما يرِد فيها والواقع الذي يعيشه ويعاني منه. يشاركه ألمه، يتأثر له وهو يحكي له خيبته بفقده سلمى التي يصفها بأنها بالنسبة له مشروع بحجم الوطن، وأنه بين يديها يشعر بالأمان، ولجبينها الأسمر ينتمي، وأنها لغته وحدوده وخريطة وعيه واحتياجاته.

يصارحه كداني بأنه يعمل ضمن جماعة تنشد العدالة التي لا تعني توزيع الظلم بالتساوي. وأنهم يناضلون لتغيير البلاد نحو الأفضل. ويدين ما يقال إن البلاد تعيش حالة بين الحرب والسلم. لأنّه يرى أنها حالة لإدامة استغلال الناس. ويبوح له بمرارة أن "الوطن كذبة بيضاء، يروج لها البعض دون شعور بالذنب، ويتلقفها آخرون دون شعور بالخديعة". هذه المقولة التي يمهّد بها الروائي لروايته.

بعد سلسلة محاولات للعثور على سلمى وفشله بذلك، يقرّر بطل حجي جابر الهرب، والتوجّه نحو السودان، باحثا عن حبيبته، فيقع في قبضة "الشفتا" الذين يتحكّمون بالناس. يصفهم بأنّهم بدو رحل قدموا إلى السودان بعد أن ضرب الجفاف مناطقهم، وتكالبتْ عليهم قوّات الأشراف فطردتهم من ديارهم. وأنّهم يعيشون بين السودان وإريتريا.

يكتشف أنهم يأسرون الناس ويعطونهم مهلة لدفع ما عليهم، قبل أن يرسلوهم إلى سيناء المصرية. حيث لديهم قسم يعمل في تجارة تهريب البشر إلى السودان، وهي تجارة رائجة كما ترى، لكن القسم الآخر يعمل في تهريب البضائع والأسلحة من السودان وإليه، وهؤلاء يحظون بحماية من جنرالات نافذين.

يظل مرسى فاطمة، مبتدأ الحكاية ومنتهاها، منه تبدأ كل المسارات، وإليه تنتهي

تجارة البشر
يبلغ العاشق الهارب مخيم "الشجراب" بعد درب شاق. كان الفضول يسكنه لرؤية ملاذه الأخير. هناك يتعرّف إلى أمير وأمّ أوّاب، ويتفاجأ بأن حلم كل لاجئ هو الحصول على بطاقة مفوضية اللاجئين، وهو ما يعني أنه تمّ الاعتراف به لاجئا وبالتالي تصرف له مؤونة شهرية لا تغطي إلا عدة أيام. لأن المفوضية ومنذ استقلال إريتريا أسقطتْ صفة اللجوء عن اللاجئين الإريتريين، وعقد اتفاق لم يطبّق بين الحكومة الإريترية والحكومة السودانية.

يخبره أمير أن المشكلة الكبرى تتمثل في الشباب الذين يقررون الإفلات من الواقع المؤلم بالوقوع في فخ سماسرة الهجرة إلى إسرائيل. وأنه لا يملك أن يلومهم لكنه يتمنى من كل قلبه أن يكونوا حذرين جدا وهم يدخلون بيت الثعابين ذاك. ويقر له بأن المخيم لم يعد آمنا لكنه أهون الشرين.

يجد العائد من الموت والضياع والباحث عن الفردوس المفقود أن الوطن هو الفردوس رغم كل الممارسات الشائنة التي تتم باسمه وبحق أبنائه، تكون دائرة العودة مغلفة بالأمكنة التي مر بها، يشعر أن سلمى أيضا، كانت دائرة وسط كل تلك الدوائر، غير أنها كانت تتبع مسارا مغايرا. ويرتاح لظنه أن فاطمة ستعاود المرور بمسارها الذي سلكته أول مرة.

يرصد صاحب "سمراويت" آثار الاحتلال الإيطالي وتأثيراته العميقة في بنية المجتمع، ثم يلتقط محاولات تصحيح متأخرة للصورة القديمة، كمحاولة الفتاة ماريا التي تسعى في المخيم إلى مساعدة العاشق الحائر، عبر تأمين ملاذ له في إيطاليا، لكنه يرفض العرض، ويفضل العودة إلى وطنه رغم ما يتهدده من مخاطر وما ينتظره من أهوال.

يفضل بطله العودة إلى مرسى فاطمة ليجد أن كل شيء يبدو دائريا، وأن رأسه أيضا كانت تسكنه دوائر كثيرة. ينشغل بتتبع تلك الدوائر دون أن يكون متعجلا، لأنه يعتقد أن الحياة داخل دائرة، مهما بدت كبيرة، لا اعتبار فيها للزمان، بعد أن استأثر المكان بكل شيء.

ويجد نفسه مرتاحا جدا رغم كل التعب. لأن الدائرة تمنحه الشعور بالاعتياد لفرط انتظام كل شيء فيها، وتكراره. ويظل رسى فاطمة مبتدأ الحكاية ومنتهاها منه تبدأ كل لمسارات، وإليه تنتهي.

المصدر : الجزيرة