غلاف مجموعة "ثلاث حكايات عن الغضب" لمحمد المنسي قنديل (الجزيرة)
هيثم حسين-القاهرة
 
يتتبع الأديب محمد المنسي قنديل خيوط الثورة عبر "ثلاث حكايات عن الغضب"، ويكون الأديب نجيب محفوظ بطل إحدى الحكايات، بل هو الحكاية نفسها بآرائه وتصوّراته الاستشرافية، وكيف أنه كان نبض عصره، ويعكس الغضب مما كان سائدا، وكان بتراكمه محرّكا للتمرّد وجذوة التحول الحقيقي وجمرته.

تتجلّى لدى قنديل في مجموعته القصصية الصادرة مؤخرا عن "دار الشروق" بالقاهرة معاني الثورة والشهادة والبطولة كمواضيع حاضرة ومتفاعلة معا، في صراع مع مراكز القوى والخير والشر والنور والعتمة وتهافت الظالمين والمجرمين والبلطجيّة وبؤس الواقع والجبن والتخاذل وتواطؤ المخرّبين الذي راكم الغضب وأشعل الثورة.

محفوظ يصرّح لفلفل في حكاية الغضب الأولى بقوله "هذا اليوم الذي قلت إنّه سيجيء.. يوم الثورة.. كنت أتمنّى أن أعيش حتى أراه.."

استشراف محفوظ
في "حكاية المطبعة القديمة" يتحدث قنديل عن "فلفل"؛ النادل في مقهى ريش الشهير بالقاهرة، والذي يراقب الأديب نجيب محفوظ وهو يحتسي القهوة التي يقدّمها له، يحفظ مواعيده بدقّة ويستمتع برؤيته وتواضعه ويسترق السمع إلى أحاديثه مع مجالسيه، يتردّد في محادثته في شؤون الكتابة، وينوي البدء بكتابة قصة ليكون لديه ما يستشيره فيه.

ينتهز فرصة جلوس محفوظ وحيدا ليسأله عن كيفية الكتابة، ويقابله الكاتب بتواضع ويرشده إلى إمكانية الكتابة عن كلّ ما يراه مناسبا وما يلفت نظره. ويخبره بصيغة استشرافيّة أن هناك خطرا ما يحدق بالبلد، وأن البلد كلها ستنقلب وستتغير، وأن الفتوات الأقوياء سينهزمون، والحرافيش الضعفاء سينتصرون، وأن النائمين سيستيقظون والمظلومين سيصرخون، والجلادين سيهربون.

يتحدّث "فلفل" في قصته -التي يقدمها لمحفوظ- عن المستقبل بصيغة الماضي، يصف حالة فانتازيّة ويجد نفسه يحمي شابا يلوذ بالمقهى طالبا الاختباء من أمن الدولة فيخفيه في سرداب المقهى. يحدّثه الشاب -الذي سيكون لاحقا أول شهيد في ثورة 25 يناير- عن أسرار "مقهى ريش" والأساطير التي تنسَج حوله، ودوره في احتضان الرعيل الأوّل من ثوار 1919 -سعد زغلول ورفاقه- وكشف له أن هناك دهليزا يربط المقهى بالميدان.

وحين يتعجب فلفل، يدله الشاب المتعلم إلى باب صغير يلجانه معا، ليكتشفا غرفة صغيرة فيها مطبعة قديمة. تبدأ المطبعة بالعمل لتطبع صور شهداء مصر منذ أيّام الثورة على الاحتلال البريطانيّ وحتّى ثورة 25 يناير.

يرتعب فلفل للفكرة وما يراه أمامه، فيطمئنه الشاب أن الأمور ستكون بخير وأن المظاهرات التي تطالب بالحرية والعدالة والخبز للجميع لن تهدأ.

حين يقرأ الأديب الكبير قصّة فلفل يخبره أن ما كتبه غريب ومحير وتدمع عيناه، ثم يقول له إنه يبكي من أجل كل الشباب الذين سيدفعون ثمن الثورة.. ويصرّح له قائلاً "هذا اليوم الذي قلت إنه سيجيء.. يوم الثورة.. كنت أتمنّى أن أعيش حتى أراه..".

الجامع بين القصص الثلاث -عدا الغضب والقهر- رغبة التمرّد والتغيير التي تقود وتحرّك وتنسف الجمود والتحجّر

حكايات الميدان
في "حكاية لاعب التنس" يقدم قنديل جانبا آخر من جوانب الثورة، يصور والد أحد الشهداء يحكي حكاية ابنه كريم الذي كان مفعما بالأمل والنشاط، ولم يلتفت إلى نصائحه بالتزام البيت والاكتفاء ببرامج يحدّدها له، كالتدريب على التنس وغيرها من الأنشطة التي حاول من خلالها إبعاده عن الانخراط مع المتظاهرين في الميدان.

لا تجدي محاولات الأب في حرْف اهتمام ابنه عن التظاهرات، يراقبه وهو ينفّس عن غضبه وقهره في الملعب بينما يضرب الكرة، وكيف تبحث عيناه عن حلم مفقود. ثم تكون الصدمة غياب كريم والعثور عليه في المشرحة وسط كومة من الجثث بعد أن انضم إلى ميدان التحرير ثائرا، وقد كان مضربه سلاحه في ساحات الثورة.

وفي "حكاية الغلام الذي يحدّث النهر" يلتقط قنديل مفارقة استغلال السلطة لأبناء الشوارع، وتجييرهم في أعمال البلطجة والقتل والتدمير، وكيف أن الغلام "زيتون" الذي يحدّثه النيل حديث الصديق للصديق، يقع بين يدي ضابط لا يرحم، ويجبره على حمل قنبلة معه في حقيبة على ظهره، ليقوم بتفجيرها في خيمة قيادة الثوّار في الميدان.

يستغل ضياع الغلام وجهله، يضغط عليه مهددا ومتوعدا، يضعه بين يدي غريمه "مطوة" الذي يترصّده لينتقم منه. وبينما يكون "زيتون" في حيرة من أمره، تتلقّفه يدا رضوى، تقوم بتعليمه وغيره في الميدان القراءة والكتابة، تخبرهم أنّ أيّة ثورة من دون العلم لا جدوى منها. يتعلّم فكّ الحروف وربطها، تكون كلمة "ارحل" سائدة وأول كلمة يتعلم تهجئتها.

يألف "زيتون" أجواء الميدان، ويشهد "موقعة الجمل"، فلا يقدم على الضغط على زر التفجير، ويخبئ الحقيبة في الخيمة، لكن "مطوة" يفعّل مؤقت الساعة ليندفع "زيتون" وسط الزحام إلى النيل، يخبره أنه لا مناصّ من إلقاء نفسه فيه، يلقي بالقنبلة إلى جوف النهر الذي رحب بتضحيته لينجده لاحقا شباب الثورة ويبشّرونه بنجاحها. 

الجامع بين القصص الثلاث -عدا الغضب والقهر- رغبة التمرّد والتغيير التي تقود وتحرّك وتنسف الجمود والتحجّر، وكيف أن الإنسان يستعيد قدرته على التأثير والتغيير من خلال الإرادة الحرّة، وأن المثل والمبادئ تظل حية وإن استشهد الأبطال الذين ضحّوا في سبيلها.

المصدر : الجزيرة