إيراهيم صموئيل
 
لم يقدّر صديقي -وهو كاتب- أن الفكرة التي عنّت له ذات يوم وأنشأ منها قصة قصيرة ثم نشرها، ستجلب له هما جديدا يضاف إلى همومه السابقة! فقد كتب في القصة عن مغامرة عاطفية خاطفة، تحدث بين رجل متزوج وإحدى صديقات زوجته.
 
يعيش الرجل بعدها حالة من القلق تسببها له عوامل عدة، منها استمرار حبه لزوجته وحبها له كذلك، وإحساس ينتابه -أو شبه يقين- من أن زوجته علمت بالأمر، وصمت ملغز تحوطه الزوجة به، فلا هي تكاشفه ولا هي تكف عن توليد الريبة فيه بنظراتها وإيماءاتها الغامضة!
 
أما سبب الهم الوافد على صاحبنا القاص فقد تأتّى من تعليقات أصدقائه ومعارفه ممن قرؤوا القصة، وشرعوا كلما اجتمعوا بالقاص وزوجته يطلقون الأسئلة تلو الأسئلة "هل تجهلين حقا ما حدث مع زوجك أم تعلمين؟!"، أو يرجوها أحدهم قائلا "بالله عليك قولي له: أعلم وقد سامحتك، ليرتاح!"، أو يتطرف آخر فيغامر بأن يسمي قائلا "يا رجل! نحن أصدقاء.. فلِمَ تتكتم.. أتعني بالفتاة فلانة الفلانية من صديقات زوجتك؟!"، لكأنما موضوع القصة واقعة حقيقية حدثت مع الزوجين!!
 
وهكذا، درج أصدقاء الكاتب ومعارفه على ممازحته وزوجته "على الطالع والنازل"، وراح الحديث يتحوّل لقاء بعد لقاء، من مزاح كان يثير الضحك والتعليقات الطريفة مجمّلا جلساتهم، إلى قلق حقيقي بدأ يساور الزوجة، وهمّ ثقيل يكبر لدى القاص، ولا يدري بعدُ كيف السبيل للتخلص منه!
 
إذا كان الكتّاب يشتكون من ثقل الرقابات وتعددها، سواء المتعلق منها بالمعتقدات الدينية في مجتمعاتهم وبالأعراف والقيم السائدة، أو برقابة السلطات الحاكمة والأنظمة الشمولية، فإن الكاتبات يعانين ضِعف ما يعاني منه الكتّاب
بل إن صديقا له أقدم مرة (وقد شجّعه أن القصة مكتوبة بضمير المتكلم على لسان الزوج)، على الهمس في أذن الكاتب "بيني وبينك، قلْ لي من هي؟!"، مما دفع بالكاتب إلى شرح البدهي وبيان النافل من أن العمل الأدبي -كما هو معروف- ليس تحقيقا صحفيا عن مؤسسة بعينها أو جماعة بذاتها أو حادثة بنفسها، وأن الخيال يتداخل مع الواقع وينضاف إلى الذاكرة ويمتزج بالضرورة الفنية، وما إلى ذلك.. ولكن عبثا! ظلت التعليقات والتلميحات من الأصدقاء تواصل بحثها الدؤوب عن "الحقيقة"، وسعيها لبيان "الالتباسات" وكسر طوق "الصمت"!!

من أفضال الله -ورجاحة عقل الزوجة بالطبع- أن ذلك كله رغم استمراره وتضخمه ككرة الثلج، لم يؤدّ إلى مشكلة أو أزمة -مما يعلمه القراء حتما وخبره المتزوجون منهم خاصة!- بين القاص وزوجته، بل بقي داخل دائرة المزاح، رغم ثقل المتقصّد منه!!

لكن القاص، وقد انفردتُ به مرة وطلبت منه أن يسرّ لي عمّا إذا كان يتأذى فعلا من تعليقات أصدقائنا على قصته، قال بنبرة تدل على صدق ما يفكر به: لا مشكلة لدي حتى الآن فعلا، بيد أنني أفكر جديا في الكاتبات: ما حالهن -في مجتمعنا العربي- لو كتبن قصصا مشابهة أو أكثر "خطورة" من هذه القصة؟!

أعني -كما يقول- كم تعليقا جهيرا أو خفيا سيسمعن ويعلمن به؟! كم همسة وإشارة وغمزة وإيماءة سيواجهن؟! كم "جلادا" سيسوطهنّ؟! وكم "تحقيقا" سيُجرى معهن؟! كم قارئا سيعرّي "حقيقة" ما قرأ؟ وكم عينًا ستنقب وتستطلع عما "خفي" من حياة الكاتبة، وعما وشت به "الفراغات" بين سطور نصها؟!

فإذا كنت أنا -الرجل، وفي مجتمع ذكوري بامتياز: من رئاسة الدولة إلى قواعد اللغة التي تطلق على تسع وتسعين امرأة وصبي صغير الضميرَ المذكّر "هم"- قد واجهت ما واجهتُ كما ترى، فما حال الكاتبات العربيات إذن؟! أوَبعدَ هذا نطالبهن بأن ينعتقن من خفر الأنوثة، وتمويه ومداراة "الكتابة النسائية"، ويتحررن في موضوعاتهن من التقية والحذر، لينطلقن نحو آفاق التعبير الحرّ عن اللواعج والمشاعر والتخيلات، حتى إذا ما جرؤت إحداهن وكتبت، أقمنا عليها حد القضاء الرسمي، أو أنخنا فوق روحها وكتاباتها من ذكورة مجتمعاتنا ما يزن قطيعا من جمال، أو حشدا من وحيدي القرن؟!

تقول كاتبة: إذا كان الكتّاب يشتكون من ثقل الرقابات وتعددها، سواء المتعلق منها بالمعتقدات الدينية في مجتمعاتهم وبالأعراف والقيم السائدة، أو برقابة السلطات الحاكمة والأنظمة الشمولية المتخلّفة، وخصوصا الأعمال التي تتناول الاستبداد وتجلياته على الأرض بين الناس، فإننا -نحن الكاتبات- نعاني ضِعف ما يعاني منه الكتّاب، إذ نرزح -إضافة إلى ما يعانون منه- تحت وطأة جنسنا لكوننا نساء في مجتمعات ذات نزعة ذكورية صريحة!

ثمة مبدعات عربيات كثيرات حلقن -خلال العقود القليلة الماضية على الأخص- في فضاءات ما كنّ ينشدنه، وآفاق ما يرغبن في التعبير عنه أدبا وفنا

وبالفعل، يندر أن ينجو عمل أدبي لكاتبة، موضوعُه "ساخنٌ" وأحداثه وشخصياته تتجاوز -ولو قليلا- "الخطوط الحمراء"، من قراءته والنظر إليه  -على نحو مضمر أو معلن- بصفته "السيرة الذاتية" لصاحبته! وكأن نص الكاتبة نافذة القارئ للتلصص على حياتها الشخصية وتتبع عوالمها، والاطلاع على الخافي من أسرارها! ذلك لا يعني بحال أن الكاتبات استكنّ لقيم مجتمعية تصنّفهن في دائرة الحريم.

ثمة مبدعات عربيات كثيرات حلقن -خلال العقود القليلة الماضية على الأخص- في فضاءات ما كنّ ينشدنه، وآفاق ما يرغبن في التعبير عنه أدبا وفنا، وأثبتن الجدارة كلها في نيل التقدير الرفيع لإنجازهن الذي تحقق في أكثر من حقل ولون، مؤكدا قدرة المبدعات -وبكفاءة- على قلب معادلة كانت تقف على رأسها، حيث شرعت الحياة العربية تستدرك "مغالطتها التاريخية" لتُعلي سلطةَ النصِ، وسلطةَ المنجز الإبداعي الأدبي والفني بصرف النظر عن جنس مبدعه، أو أي اعتبار آخر من خارج العمل.

وإذا كانت نظرة الإدغام القائمة بين العمل وحياة مبدعته جراء نزعة الذكورة الطاغية على مجتمعاتنا، لم تتبدّد كليا من داخل المتلقي قارئا ومشاهدا، فلأن أمر تبددها واختفائها متعلق -بداهة- بالبنية الاجتماعية والتطور الحضاري والتقدم الفعلي على أكثر من صعيد ومستوى.

وهو منوط بآفاق التغيير المنشود جراء النهوض العربي ومساراته، وكيفيات تجلّيه التي تبعث الريبة الآن جراء ما يشهده غير بلد عربي من مواقف ومعارك توحي بإمكانية النكوص إلى ما هو أسوأ، إلا أن تكونَ مساحة الضوء أغلب، وإلا أن يكون ما يحدث الآن "عرضا طارئا" -على غرار أعراض معظم ثورات العالم- لا يملك أن يدوم ويحيا، ولا هو بقادر على أن ينيخ بظله الثقيل من جديد.
______________
كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة