مرفت عيسى بدأت مسيرتها في النحت فور تخرجها من الجامعة (الجزيرة)
وديع عواودة-حيفا
 
لا تبقى الحجارة صماء بين أيدي الفنانة الفلسطينية مرفت عيسى، فهي بأناملها الرقيقة وأدواتها البسيطة ورؤيتها المبدعة تليّن الصّخر وتجعله مطواعا ومشحونا بالمعنى، فيكاد ينطق جمالا ودلالات. ولا تخرج عيسى عن "فلسطينيتها" فالحجارة بالنسبة لها تقاوم وهي منحوتة، كما كانت تقاوم وهي مقذوفة.
 
ويستغرب عادة زوار مهرجانات النحت، التي تقام في البلاد، حين يكتشفون فجأة أن الشخص الملثم بالسترة الواقية والغارق وسط غمامة من الغبار خلال النحت هو امرأة. فعيسى كسائر النحاتين تستخدم المنشار الحجري والمطارق والأزاميل وأدوات التنظيف في تطويع الصخور الصلبة بتحويلها إلى تماثيل تزين البيوت والحدائق.

وتقول النحاتة الفلسطينية إن النحت في الحجر وصناعة التماثيل عملية تعبير يتوقف نجاح النحّات فيها على حيازته المهارات والأدوات تماما كالتعبير اللفظي أو الكتابي حينما يتوفر الإلمام باللغة.

من أعمال الفنانة مرفت عيسى (الجزيرة)

صبر وتركيز
ويحتاج النحت الخلّاق لراحة بال وتركيز وصبر، وتترك عيسى في مداعبتها للصخور الصلبة لمسات ناعمة، حين تصنع منها منحوتة تحمل معاني ودلالات مختلفة.

وبدأت مرفت مسيرتها الفنية فور تخرجها من الجامعة عام 1992 بتشكيل الأجسام من الطين بواسطة الدولاب قبل أن تنتقل للنحت في الحجر وتحترفه رغم قسوة وخشونة هذا النوع من الأعمال الفنية التي تبقى غالبا حكرا على الرجال.

وتقول عيسى إنها كبقية النحاتين تحدد الفكرة أولا ثم تنتقل للبحث عن الصخرة المناسبة من ناحية حجمها ونوعيتها. وتنضج الفكرة لديها نتيجة التأمل، لكنها تستوحيها من تجارب الحياة اليومية ومن المطالعة والإصغاء ومتابعة الأخبار.

وتدأب الفنانة الفلسطينية على البحث عما هو خلاّق وغير مبتذل للتعبير عن أحلامها وآلامها ومجمل مواقفها، وترفض مبدئيا نحت الوجوه البشرية تحاشيا لتقديس البشر، فالنحت بالنسبة لها نوع من التعبير عن الرأي كالرسم.

تقول الفنانة الفلسطينية "أعكس صورتي في التمثال المنحوت وصورة مجتمعي وصور الآخر بمعان متنوعة"، لذلك تحرص في اختيار مادتها الخام على أن تكون الصخرة غير كلسية وخالية من الثقوب كي لا تتفتت، وهي تبدي خبرة ومعرفة واسعة بأنواع الصخور وأنواع قشرتها التي تتفاوت بسمك كل منها.

وعادة تأخذ مادتها الأولية من حجارة الجليل المعروفة بقسوتها، وتزن الصخرة الواحدة أحيانا عشرات الأطنان ويتم نقلها بواسطة رافعة وبمساعدة زملائها من الرجال. وتستغرق عملية نحت التمثال من عشرة أيام حتى شهر، وعادة ما تنجز عيسى هذه العملية خلال مهرجانات للنحت.

المنحوتات التي تنجزها عيسى تحمل معاني ودلالات مختلفة (الجزيرة)

مخيم جنين
تعتز عيسى -وهي من النحاتات الفلسطينيات الرائدات- بشكل خاص بمنحوتة أنجزتها عام 2002 تحتج فيها على العدوان الإسرائيلي على مخيم جنين خلال ما عرفت بحملة "السور الواقي".

وهذا التمثال عبارة عن دولاب جرار ضخم يخترق منزلا وهو يرمز للجرافة الإسرائيلية العملاقة التي استخدمت في هدم منازل المخيم. وبالنسبة لها هذا التمثال الحجري الأصم  يعبّر عن التهديد الذي يواجه هويتها الفلسطينية.

وفي منحوتة أخرى ثبتت في الدوار المركزي داخل قرية عرعرة، تعبّر عيسى عن احتجاجها على محاصرة فلسطينيي الداخل وتهميشهم بواسطة تحويل الصخرة لخطين متقاطعين على شكل إشارة الحرف الإنجليزي "إكس".

وتحمل العديد من أعمال عيسى وتماثيلها التي تجهد في ابتكارها، رسائل احتجاج وترمز للقرى الفلسطينية المهجرة لكونها ابنة لقرية كفر برعم المهجّرة قضاء صفد من عام 1948. ولا تكتفي النحاتة المجرّبة بالنحت بالحجر فترسم فيه أشكالا فنية بواسطة زرع ألواح الرخام في المنحوتة.

وتؤكد أن "هذا جزء من شخصيتي الفنية ومن حياتي كفلسطينية مهجّرة ولم أختره طواعية فأنا مهجّرة في وطنها، ولو كنا نعيش حياة طبيعية لاخترت رسم الورود والعصافير".

وتقول إن النحت بالصخر يؤثّر على نفسيتها بوصفها امرأة ووجودها إلى جانب نحاتين يزيد من روح التحدي فيها ويقوي من عزيمتها ويعزز ثقتها بنفسها خاصة وأنها  تتلقى سيلا من المديح من زملائها ومن عامة الناس بعد كل عمل.

لكنها في كل أنواع النحت وإنتاج الأشكال تكون النحاتة مرفت عيسى مسكونة بالفرح فالمهمة تنطوي بالنسبة لها على إثارة فكرية والعقل الخلااق يبتكر دائما أفكارا جديدة، و"البحث عن التعبير بهذه الطريقة الفريدة نعمة كبيرة" كما تقول النحاتة الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة