غلاف كتاب "باريس الشرقية" للمغربية نسرين معترف (الجزيرة)
بوعلام رمضاني-باريس
 
لا يعدّ كتاب "باريس الشرقية" للمغربية نسرين معترف -الصادر مؤخرا عن دار "باريغرام"- دليلا ثقافيا وفنيا تقليديا للتراث العربي والشرقي بعاصمة الأنوار فحسب، بل يمثّل إطلالة شاملة على الثقافة والفنون والتقاليد والجماليات والطقوس الاحتفالية العربية بكافة ضروبها بالعاصمة الفرنسية، الأمر الذي يبرر حقا تسميتها باريس الشرقية.

وتمكنت معترف منذ البداية من تفادي مطب المعالجة التقنية السطحية المرادفة لدليل سياحي كلاسيكي، وصاغت نصا ثريا بأسلوب يتوافق مع مستويات العامة والنخبة على السواء.

وحتى تستطيع الكاتبة استمالة القارئ العادي والمثقف، مهدت للفصول الخمسة بمقدمة مستفيضة عن التاريخ المجهول للجالية العربية المهاجرة في العاصمة الفرنسية، و"لأجواء دمشق والجزائر وبيروت ومراكش المنزوية في أزقة وشوارع ما زالت شاهدة على روح الشرق المتجذرة في باريس طه وسوزان حسين"، كما تقول.

كانت "باريس الشرقية" نتاج تراكم تاريخي لموجات عدة أجيال من المهاجرين وفدوا من الجزائر في بداية القرن العشرين ومن المغرب وتونس ولاحقا من لبنان وسوريا ومصر

إرث أجيال
تناولت الكاتبة باريس الشرقية وليست العربية فقط، مشيرة إلى الفسيفساء الحضارية التي ضمت بين جنباتها العرب والأمازيغ المغاربة والشرقيين المسلمين والأكراد والآشوريين والدروز والأقباط والمارونيين واليهود والأطياف العرقية والدينية الأخرى التي اتخذت من باريس موطن هجرة دائمة، تقاطع من خلالها فيض من الإثنيات واللغات واللهجات والألوان والعادات والثقافات العريقة.

وكانت باريس الشرقية نتاج حراك تاريخي لموجات أجيال عدة من المهاجرين وفدوا من الجزائر في بداية القرن العشرين، ومن المغرب وتونس ولاحقا من لبنان وسوريا ومصر.

فهناك في عاصمة الأنوار باريس الجزائرية والتونسية في أحياء "بارباس" و"بلفيل" و"منيلمونتو" الشعبية، واللبنانية في جزء من الدائرة الخامسة عشرة، والخليجية المخملية في الدائرتين الثامنة والسادسة عشرة غير بعيد من مقر إذاعة الشرق، التي لم تذكرها الكاتبة رغم أهميتها استنادا لعنوان كتابها.

وردة الجزائرية كانت أحد رموز باريس الشرقية في بداية مشوارها الفني في قلب الحي اللاتيني، فضلا عن أحمد عدوية وعزيز سماوي، ومقاهي الشيشة المصرية التي جعلت في نهاية تسعينيات القرن الماضي من شارع "موفتا" خان خليلي باريس.

توقفت الكاتبة عند أهم المعالم مثل معهد العالم العربي واليونسكو ومتحف تاريخ الهجرة ومعهد ثقافات الإسلام والمراكز الثقافية العربية ودار أوروبا والشرق وفضاء ملكة سبأ وفنون الإسلام المكرسة في متحف اللوفر الشهير

كنوز الثقافة والفنون
بعد جولة تاريخية عرجت من خلالها الكاتبة على باريس الموريسكية والتركية والمصرية التي شهدت عليها شوارع الإسكندرية ومعبر القاهرة في سياق هوس باريس بتيار "الإجبتومينيا" الجارف.

وراحت الكاتبة تقدم رموز وعلامات باريس الشرقية الحالية من خلال مائتي عنوان ينطق بعبق الموسيقى والأدب والتراث والسينما والطبخ والصناعات التقليدية والموضة والهندسة المعمارية والتصميم وفنون العيش المتجذرة في تاريخ حضارة شرقية عريقة وساحرة.

منهجيا وموضوعيا، توقفت الكاتبة عند أهم المعالم مثل معهد العالم العربي واليونسكو ومتحف تاريخ الهجرة ومعهد ثقافات الإسلام والمراكز الثقافية العربية ودار أوروبا والشرق وفضاء ملكة سبأ وفنون الإسلام المكرسة في متحف اللوفر الشهير، فضلا عن فنون عربية وأفريقية أخرى مجسدة في متاحف تعج بها العاصمة الفرنسية.

باريس الشرقية قدمت أيضا من خلال ساحة محمود درويش ومسجد باريس وكنيسة "نوتر دام دي جيبت"، والصالون الموريسكي لألكسندر دوما ومدارس اللغات العربية والمكتبات والأكشاك والتظاهرات الثقافية والفنية المختلفة مثل صالون مغرب الكتب ومهرجان معهد العربي للسينما.

غطت الكاتبة يسرين معترف في الفصول اللاحقة الأربعة باريس الشرقية في الأدب العربي وتعليم الموسيقى والخط والرقص بكافة الأنواع على أيدي خطاطين وموسيقيين معروفين، واستكملت رحلتها الشيقة متوقفة عند شتى أنواع الصناعات التقليدية ومهارات الطبخ والتجميل، وإن فعلت كل ذلك مرشدة القراء نحو العناوين المؤدية لكل المعالم والرموز والفعاليات المذكورة.

المصدر : الجزيرة