غالية قباني: الرواية فضح للزيف والاستبداد
آخر تحديث: 2013/6/17 الساعة 15:05 (مكة المكرمة) الموافق 1434/8/9 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/6/17 الساعة 15:05 (مكة المكرمة) الموافق 1434/8/9 هـ

غالية قباني: الرواية فضح للزيف والاستبداد

غالية قباني: ما كان للقهر أن يستمر في سوريا مع فتح ثغرة فضاحة في هذا المعتقل الكبير (الجزيرة)
حاورها هيثم حسين
 
أمضت الروائية السورية غالية قباني ردحا طويلا من حياتها خارج بلدها، وفي غربتها الممتدة تلك ظلت مسكونة بأوجاع أهلها، لا تفوّت فرصة للدفاع عن قضية شعبها، حتى تفضح أدبا وسياسة الأكاذيب التي يتم بها التحايل على البسطاء.

تشير قباني إلى خطورة بناء الأمجاد والامتيازات على الأوهام سياسيا أو اجتماعيا، وتؤكد أن الروائي حينا يستشرف المستقبل لا يقرأ الطالع بل يستقرئ تراكم الأحداث، وهي تؤمن بدور الأدب الريادي في البحث عن الحقيقة وكشفها.

تراوح الروائية السورية مؤخرا بين النشاط الأدبي والعمل السياسي، وبقيت حاضرة في المشهد السوري المعارض رغم تحفظها على أداء بعض المؤسسات المعارضة. الجزيرة نت التقت قباني لتتحدث عن هموم الأدب والثورة ومسارات الحياة.

في روايتك "أسرار وأكاذيب" حرصت بطلتك "انتصار" على تعرية الزيف والكذب، وكانت صيحتها بمثابة كشف المستور، إلى أي مدى ساهمت الرواية في فضح خداع المؤسسة الرسمية؟

- الحيز العائلي وما يدور داخله من أسرار ومراوغات وأكاذيب، لا يختلف عما يدور في مدينة "مدججة بالأمن والعسكر والحزب"، تسير أمورها في الخفاء، وتخشى المكاشفة والمحاسبة وتقوم على المناورات والصفقات، كما كتب أحد النقاد.

في علاقة الأدب بالواقع ربما لم يشهد التاريخ شكلا منافسا للأدب على مستوى دوره الفاضح الكاشف لتفاصيل الحياة على مستوياتها

فحياة العائلة -في الرواية- تقوم على أكذوبة أن الوالد، وهو اللواء "زياد رفاعي" مات شهيدا على جبهة الجولان، بينما الحقيقة أن حادث سيارة أودى بحياته، وأن العائلة بنت أمجادها وامتيازاتها السياسية على الادعاء برحيله شهيدا. وذهبت معه كل التفاصيل السرية في حياته، وبقي ما هو صالح فقط لسمعة شهيد في حرب استنزاف مع العدو الإسرائيلي.

إن مفهوم الفساد لا يتركز في أخذ رشوة مقابل تسيير معاملة بصورة غير قانونية. بل يمتد إلى مستويات أخطر، مثل تزييف الوطنية وخلق أبطال وشهداء وهميين يستثمر لمصالح شخصية، بينما يتوارى الأبطال الحقيقيون في العتمة. لقد بات المجتمع السوري بحيرة راكدة ساكنة تزكم روائحها الأنوف بسبب غياب الحركة وعدم تجدد الهواء فيها. لقد كان من الصعب أن يستمر السوريون في تجاهل تلك الرائحة.

وفي علاقة الأدب بالواقع ربما لم يشهد التاريخ شكلا منافسا للأدب على مستوى دوره الفاضح الكاشف لتفاصيل الحياة على مستوياتها، والمقصود بالأدب المرويات المكتوبة والشفهية معا، وقبل أن تبدأ الرواية بشكلها الفني المعاصر كما نعرفها الآن. لذلك انطلقت في كتابة "أسرار وأكاذيب" من حقيقة أن الأدب فضاح لحراك الحياة والناس.

تصنف روايتك من بين الأعمال السورية التي استشرفت التغيير، ونادت به. علام اعتمدت في استشرافك المستقبلي، ولا سيما أنك أمضيت شطرا طويلا من حياتك خارج البلد؟

- لم أنقطع في حياتي عن سوريا، ولم أعتبر نفسي في يوم من الأيام غير مواطنة سورية صدف أنها عاشت ردحا من حياتها خارج البلاد. لسنوات كنت أرقب حراك المجتمع السوري وأقرأ العلاقات بين أفراده أو بينهم وبين المؤسسة الرسمية.

وأرى الخط البياني في انحدار إلى العتمة وعفونتها وأتحسس حجم الخراب في النفوس التي بات بعضها يسير على دين حكامه، لأنه ما من وسيلة أخرى متيسرة له غير اتباع الفساد. كل ذلك بينما المجتمعات المعاصرة تنحو إلى الشفافية بأفكار لا تخطر بسهولة على بال المقموع المجهل.

عندما شعرت بأن مؤسسات المعارضة تتحول إلى مؤسسة تقليدية خالية من النفَس الثوري، انتبهت إلى أن دوري هو قارئة للأحداث، ناقدة وكاشفة ومحللة فانسحبت

وما كانت "انتصار" -بطلة الرواية وابنة الطبقة الحاكمة الفاسدة- لتفضح المستور لولا أنها كانت ضحية ذلك الزيف العائلي الذي تبين أنه زيف في تاريخ الوطن أيضا، كشف وضعها أمام الأسئلة عن الماضي، ماضيها وماضي البلد.

أود التنويه لأن استشراف الروائي لا يشبه قراءة الطالع. إنه يستقرئ فقط المشهد من حوله كما فعل طويلا أجدادنا الروائيون، وقراءتي كانت ترى أنه ما كان لهذا الخراب أن يستمر في ظل وجود تكنولوجيا رقمية عصرية هي أداة لتوصيل المعلومة في لحظتها، سواء الكلمة أو الصورة.

ما كان للقهر أن يستمر وسط إمكانية فتح ثغرة فضاحة في جدار هذا المعتقل الكبير. من هنا لجأت إلى اقتراح بوح البطلة أمام الكاميرا الديجتال التي ستوثق شهادتها كما توثق الصور الآن، ثابتة ومتحركة، ما يحدث في سوريا.

مع بداية الثورة السورية توجهت صوب العمل السياسي، وهذا يعيدنا إلى الحديث عن دور المثقف والسياسي وما مدى إمكانية المواءمة بينهما؟

-هو نشاط سياسي أكثر من كونه عملا سياسيا. بصراحة دوما كنت يقظة للعلاقة الملتبسة بين المثقف والسلطان، لكن الرهان الجديد كان على جسم يمثل الشعب والثورة مثل أجسام المعارضة السورية.

أرى جدوى أكبر الآن في استثمار نشاطي في مشاريع منظمات مدنية، إذ لا يمكن أن ينشغل الجميع في تصدر المشهد السياسي، وتؤجل مناقشة مكونات المجتمع المدني لفترة لاحقة

إنما في يقيني لو نجحت الثورة في إسقاط النظام، أو كان النظام قد أجرى إصلاحات وسمح بمساحة من الحرية والتعبير عن الرأي والمشاركة السياسية، ما وجدت نفسي ربما أنا وغيري من المثقّفين في خضم هذا الحراك السياسي.

لاحقا، وعندما شعرت بأن مؤسسات المعارضة تتحول إلى مؤسسة تقليدية خالية من النفس الثوري، انتبهت إلى أن دوري هو قارئة للأحداث، ناقدة وكاشفة ومحللة فانسحبت، لكني بقيت في المشهد السوري المعارض ككل، أمارس دوري بصفتي كاتبة وصحفية.

باعتبارك متطوعة لرئاسة (رابطة الصحفيين السوريين) التي ساهمت في تأسيسها بداية 2012، إلى أي درجة حققتم الأهداف التي أعلنت الرابطة من أجلها؟

- بادرنا، أنا وبعض من زملائي الصحفيين السوريين أوائل العام 2012 إلى تأسيس "رابطة الصحفيين السوريين" لنثبت موقفا مهنيا أمام صمت اتحاد الصحفيين السوريين داخل سوريا، الذي لم يدافع عن أي زميل اعتقل أو عذب أو استشهد أو حتى طرد من عمله.

نحن ماضون في مأسسة الرابطة وتطوير قدرات الزملاء نقابيا. ونصدر تقريرا شهريا عن الزملاء، سواء كانوا سوريين أو غيرهم، صحفيين أو ناشطين، يوثق للانتهاكات التي يتعرضون لها.

أرى جدوى أكبر الآن في استثمار نشاطي في مشاريع منظمات مدنية. إذ لا يمكن أن ينشغل الجميع في تصدر المشهد السياسي، وتؤجل مناقشة مكونات المجتمع المدني لفترة لاحقة.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات