الذهبي: أنا أستفيد من التاريخ في رواياتي كما يستفيد البعض من علم النفس (الجزيرة)

هيثم حسين-القاهرة
 
كتب الرواية التي تتخذ من التاريخ مادتها وأدخل قارئه إلى قلب دمشق ببيوتها وحاراتها، تحول عمله الروائي "ملكوت البسطاء" إلى مسلسل درامي، كما تحولت روايته الشهيرة "حسيبة" إلى عمل سينمائي ودرامي.

الروائي السوري خيري الذهبي الذي يعيش بالقاهرة هذه الأيام، بعد أن نزح ككثير من السوريين، ينظر إلى دمشق بعين العاشق، يراها درّة المدن ويكتب لها وعنها، وصدرت له مؤخرا رواية "الإصبع السادسة" التي لم تخرج عن الشام بتاريخها وحاراتها ولامست حاضرها الغارق في الدماء.

الجزيرة نت التقت الروائي السوري وأجرت معه الحوار التالي حول هموم الواقع وهواجس الوطن والكتابة.

لديك اهتمام لافت بالتاريخ، ولا تكاد رواية من رواياتك تخلو من اشتغال تاريخي أو أبعاد تاريخيّة، ما سبب هذا الاهتمام؟

وهل الرواية إلا شكل من حبس العالم خارج السيرورة الزمانية المعيشة لتصبح "التاريخ" ولو راجعت كل الروايات التي كتبت، فسترى أنها التاريخ، تاريخ ما حدث، تاريخ الماء الذي انسكب وحالما انسكب، ومهما ادعيت أن انسكابه سيكون في المستقبل إلا أنه انسكب حسب النص وصار "التاريخ" وربما ماعدا روايات الخيال العلمي والتي يتواطأ فيها الكاتب والقارئ على أنها تجري في المستقبل، فإن كل الروايات هي "التاريخ" فأنت إما أن تكون مخلصا للفن فتخون التاريخ، وإما أن تخلص للتاريخ فتخون الفن، ولذا فليس هناك من رواية ليست "التاريخ".

على أية حال فأنا لا أكتب الرواية التاريخية، ولم يسبق لي أن كتبت الرواية التاريخية بالمعنى الذي تقصده، فللرواية التاريخية شروط من أهمها أن تكون ملتزما بالحادثة التاريخية، فتصبح عبدا لما "حدث" وما حدث ملك للجميع يستطيع أي قارئ أن يكتشف مغالطتك فيه ولو كان ذلك لدوافع فنّية، فيتوقّف، ليقول لك بصوت جارح: توقّف فقد أخطأت. وبذا تسقط فنّيتك.

إن اعتبرت رواية "اسم الوردة" للإيطالي أمبرتو إيكو، تاريخية، فأنا أكتب الرواية التاريخية، وكذلك إن اعتبرت "ذهب مع الريح" للأميركية مارغريت ميتشل رواية تاريخية، وهاتان روايتان صنعتا من التاريخ مادة روائية، وكسالى النقاد ممن صنعوا وانتشروا بعثيا، يحبّون دوما الإجابات السهلة التي لا تسبّب لهم وجع الرأس، ولذا فهم يسمّون كل من يكتب عن التاريخ كاتبا تاريخيا، أما أنا فأكتب الرواية التي تتّخذ من التاريخ مادة للكتابة مستفيدا من التاريخ كما يستفيد البعض من علم النفس، ومن علم الجرائم "الكريمينولوجي" مادة للكتابة.

صدرت روايتك الأخيرة "الإصبع السادسة" بالقاهرة قبل أشهر وسط ضجيج المدافع وأزيز الرصاص ببلدك، إلى أي حد تجلت الحالة السوريّة الراهنة في روايتك، وإن كان التاريخ ركيزتك ومنطلقك بهذه الرواية أيضاً؟

في رواية "الإصبع السادسة" حاولتُ قراءة ما الذي جرى لأولئك الذين آمنوا بما بشّر به إبراهيم باشا من الحقوق والواجبات الثورية الفرنسية بعد انسحاب إبراهيم باشا من الشام

ما يجري الآن في سوريا هو شكل من أشكال خيبة الثورة البورجوازية الفرنسية التي حملها إلينا إبراهيم باشا عام1831، وكانت الأمل في إخراج سوريا من الحمأة الآسيوية التي غرقت فيها منذ الغزوات البدوية القادمة من عمق آسيا.

حين وصل إبراهيم باشا إلى الشام، كان معه عدد من ضباط بونابرت حاملي أفكار الثورة التي غيّرت مسيرة العالم، وكان أشهرهم الكولونيل سيف، الذي سنعرفه من الأدبيات المصرية تحت اسم سليمان باشا الفرنساويّ، وهؤلاء البونابرتيّون لم يكونوا عسكريّين محترفين فقط، بل كانوا رسل الثورة الفرنسية.

 وكان من أهم ما حاول إبراهيم باشا تغييره في الشام هو الفواصل ما بين الناس من مَوال وعرب، ومسلمين وذمّيين، ذلك حين ألغى البنى القديمة كلّها بما فيها الجِزية، وفرض المفهوم الفرنسيّ "المواطنة" بما لها من حقوق وعليها من واجبات.

في رواية "الإصبع السادسة" حاولتُ قراءة ما الذي جرى لأولئك الذين آمنوا بما بشّر به إبراهيم باشا من الحقوق والواجبات الثورية الفرنسية بعد انسحاب إبراهيم باشا من الشام، ووقوع الشام ثانية تحت "البسطار" العثماني، وكيف تعامل معهم المؤمنون بثبات التاريخ وقابلية ديمومته، وما المخاضات التي عاشوها حتى ظهر فيهم المسرح وأبو خليل القباني، وعبد الرحمن الكواكبي، وقسطاكي الحمصي، وأحمد فارس الشدياق، وفرانسيس مرّاش وغيرهم.

رواية "الإصبع السادسة" كتبت في قلب المأساة السورية التي استمرّت خمسين سنة، وكتبت قبل الثورة المعاصرة، وربما كانت تقرؤها قبل حدوثها، كيف تقرأ ما بين سطور الزمن الماضي وتداعياته على السوريّين راهناً ومستقبلاً؟

البيت الشامي بني زمن الرعب وزمن العساكر المنفلتين من كلّ عقال، وهو من الخارج لا يوحي أبدا بما اختفى في داخله من جمال وترف 

لأننا نحن من في سوريا نعيش في بلد تاريخي، وليس في بلد حقّق جغرافيته السياسية يوما، فبلاد الشام كانت دائما بلدا ملعونا لعنة البلقان، وهما إقليمان مزّقتهما الجبال والوديان والبوادي والموقع الإستراتيجي المغري بالتسلط عليه، فالمتسلّط عليه يتسلّط على المحيط من خلاله.

وإذا ما فكرت يوما في قراءة التاريخ السوري، فأنت أمام شكلين من الجغرافيا المؤرّخة، فإما دويلات المدن: آرام دمشق، وآرام حماة، وآرام يمحاض "حلب"، وإما أن تقرأ تاريخ الدول الإمبراطورية الكبرى التي تحتوي الشام في إمبراطوريتها "آشور، الإخمينيين، الفراعنة، ثم السلوقيين، واللاتين، والبيزنطيين، ثم وأخيرا الإمبراطوريات الإسلامية.

والبعث الذي كان يرفض النظر عند موطئ أقدامه أصرّ على أن نعرف عن موريتانيا بأكثر ممّا نعرف عن دير الزور، والحسكة، وكان الفضل الكبير للثورة الآن أن أخذت بتعريفنا على الجغرافية السورية، فصرنا نعرف عن إدلب وعن عامودا، وغابت تطوان التي لا يعرفها المغاربة أنفسهم، وهذا من تناقضات البعث.

أدخلت القارئ من خلال رواياتك إلى قلب البيت الشاميّ الذي بدا مغلّفاً بالأسرار.. هل تشعر بأنّك أوفيت دمشق دينها وحقّها في أعمالك؟

ما يجري الآن في سوريا أحد أشكال خيبة الثورة البورجوازية الفرنسية التي حملها إلينا إبراهيم باشا عام1831

البيت الشامي بني زمن الرعب وزمن العساكر المنفلتين من كل عقال، وزمن انتشار المليشيات من إنكشارية محلّية، وقبا قولية، ويرلية، ودالاتية، وسباهية إلخ. هل تذكرنا هذه الأسماء بمليشيات معاصرة أدمت وأذلت السوريين للخمسين سنة الماضية من الحرس القومي، والجيش الشعبي، وسرايا الدفاع، وأخيراً الشبيحة..؟!!

هذه المليشيات التي سرقت من المواطن الأمان، فصار بيته الجميل ربّما الطريق لنهبه أو قتله، واختطاف حريمه. فكيف لجأ المواطن لإنقاذ نفسه وأهله وماله..؟ إنّها التقية، فالبيت من الحارة، من الخارج لا يوحي أبدا بما اختفى في داخله من جمال وترف، إنّها جنتي أنا التي أخافك أنت عليها، ومن العقل ألا تراها إلّا لو شئت أنا.

وهذا مختلف تماما عن المعمار الغربي حيث الجنّة التي يحميها القانون والثبات السياسي، ولذا كانت الجنّة من الخارج، إنّها جنّة التباهي، والتباهي في دولة المليشيات من القراصنة وقطاع الطرق أمر لا يجوز، وقديما قال السيناتور الأميركي "فولبرايت" للمتباهين بثرواتهم أمامه "لا يجوز للغزلان التباهي بطيب لحومها أمام الذئاب".

المصدر : الجزيرة