غلاف كتاب "مختارات قصصية" للعراقي علي القاسمي من إعداد وتقديم المغربي عبد المالك أشهبون (الجزيرة)
نزار الفراوي-الرباط
 
يقدم الكاتب العراقي المقيم بالمغرب علي القاسمي للقراء عصارة مساره السردي في فن القصة القصيرة من خلال كتاب تحت عنوان "مختارات قصصية"، يقترح عينات من إبداعات هذا الكاتب المتعدد الاهتمامات الذي نشر أولى مجموعاته القصصية عام 2003 تحت عنوان "رسالة إلى حبيبتي" وصولا إلى مجموعة "حياة سابقة" عام 2008.

وتكشف النصوص المختارة ارتباطا وثيقا للمادة السردية بالسيرة الذاتية للقاسمي -الأكاديمي والخبير التربوي والروائي والمعجمي الدائم الترحال- إذ يشكل السفر مادة رئيسة للإلهام القصصي. هو سفر مكاني يمنح المؤلف وجوها وقضايا متجددة، وآخر زماني يعود فيه القاص العراقي إلى طفولته القروية في محافظة القادسية بالعراق، كمنهل لا ينضب لنسج نصوص مشبعة بالحنين.

في هذه المختارات القصصية للقاسمي استعادات شيقة وعارمة لملامج وأحداث وصور من الطفولة وعهد المراهقة الأول إلى لحظات الإحساس بالرجولة

وقد رتب الناقد المغربي عبد المالك أشهبون نصوص القاسمي وأعدها للنشر وفق تبويب خماسي يصنف فيه هذه النصوص ضمن واحدة من المحاور التالية: "عوالم الطفولة المستعادة ومراتع الصبا الأثيرة"، "الغربة والمنفى ودوائر الأحزان الأخرى"، "تجارب العشق المهدور"، "حالات التخاطر والاستبصار" و"لحظات الاحتضار والموت".

نصوص القاسمي -الذي يقيم بالمغرب منذ أزيد من ثلاثين عاما- جديرة بأن تحمل عنوان الهشاشة الإنسانية، فهي تستحضر حنينا لزمن لا يعود وعشقا مستحيلا، وفقدانا لا يعوض ووعيا حادا بالقوة القهرية للزمن وحدود الإمكان البشري. شجون عميقة يلامسها القاسمي بلغة بسيطة وبصور شفافة ناصعة الرؤية دون أن تخطئ عمقها الإنساني والتأملي والفلسفي أحيانا.

في هذه المختارات -التي صدرت في طبعة مشتركة لدار الأمان بالرباط ومنشورات الاختلاف بالجزائر وضفاف (الرياض بيروت)- استعادات شيقة وعارمة لملامح وأحداث وصور من الطفولة وعهد المراهقة الأول إلى لحظات الإحساس بالرجولة.

هي ذكريات يغمرها التوثب الجامح للمعرفة والتحصيل الدراسي، كما في قصة "الدرس الأول"، والارتباط الحميم بالطبيعة كالنهر والبطة في "وفاء"، ولحظات الإحساس بالرجولة في "السباح"، كما يقول عبد المالك أشهبون.

تهيمن على نصوص القاسمي أيضا تيمة الغربة والرحيل والمنفى. ويكتب أشهبون أن حب الكاتب لوطنه الجريح ومكابداته من جراء هذا المنفى الاضطراري كان ولا يزال مصدر تعاسته، وجوهر ألمه الداخلي العميق. ففي قصصه، يلتقط القاسمي لحظات انكساراته التي تنطق بحال المنفيين والمضطهدين وضحايا الحكم الشمولي في قالب قصصي بديع.

عبد المالك أشهبون
"
بناء الجملة القصصية عماد قوة نصوص القاسمي، لذلك يتفرغ لها الكاتب ويعيد صقلها وصياغة جاذبيتها بقلم الصانع الماهر

أما الحب فيحضر في نصوص القاسمي في قالب مثالي تسنده قيم الإخلاص والوله العذري، وتترصد له -في الغالب- نهايات تعيسة تجعل العلاقة العاطفية استحالة تعيش في الذاكرة وتنمو في أعماق الكيان.

ويدفع القاسمي مغامرته القصصية بعيدا في تناول ظواهر نفسية معقدة يسقط فيها المنطق السببي وتتهاوى فيها حدود الجغرافيا وقيود المادة، ليفسح المجال أمام قيام علاقات "تخاطرية" عن بعد على تخوم الاستحالة. وهي نصوص تكشف انفتاح الكاتب على الخلفيات المعرفية النفسية وتوظيف عوالمها في نسيج سردي مبدع.

في تعليقه على أسلوب علي القاسمي، يكتب الناقد المغربي المتخصص في السرديات أن قصص هذا المبدع تتسم "ببناء معماري متماسك، صنعه فنان ماهر، وكاتب متمرس، أضاع بريق عينيه في بناء صرح هذه العوالم القصصية التي استوت شامخة، فجاءت على هذا الشكل القصصي الرائع والبديع والمشوق".

ويخلص أشهبون، إلى أن بناء الجملة القصصية عماد قوة نصوص القاسمي، لذلك يتفرغ لها الكاتب ويعيد صقلها وصياغة جاذبيتها بقلم الصانع الماهر لا المتحذلق المتصنع، معتمدا على جمالية اللغة القصصية في بعدها المجازي وانزياحها التعبيري وتركيبها المحتشد بالترميز والتورية والسخرية.

المصدر : الجزيرة