الشاعر سعود الأسدي (يمين) برفقة الفنان محمد بكري(الجزيرة)
وديع عواودة-الناصرة
 
في عتمة السجون الإسرائيلية عام 1948 تلمّس الشاعر الفلسطيني الراحل محمد أبو السعود الورق والمداد ليكتب رسالة قصيدة لابنه سعود، متمنيا أن يجيبه شعرا. تأخر الرد قليلا، وتلكأت قريحة الفتى، لكن الأسدي الصغير لم يخذل أباه وإن طال المدى فغدا شاعرا وزجّالا معروفا.
 
بدأت مسيرة الحائز على جائزة الثقافة الفلسطينية مع الشعر من تلك الرسالة القصيدة المنبثقة من قريحة أب شاعر أضناه الأسر الإسرائيلي وهزه الحنين إلى أبنائه وقد كتب بمداد من اللوعة:

حـنّ الفؤادُ لرؤيــةِ الأولادِ فبكيتُ أهلـي والحِمَى وبلادي
وطفقتُ في حكْمِ الأسيرِ مغرّداً بالهجــرِ والتقييـدِ والإبعـادِ

ابن قرية دير الأسد سعود الأسدي (72 عاما) هو اليوم في قمة مسيرته الإبداعية وقد صدرت له عدة دواوين في حب وطنه وتراثه طبيعته الخلابة، في منزله المكتظ بالكتب وأسطوانات الموسيقى، والذي لا تغادره النغام والأشعار زارته الجزيرة نت. 

الأسدي أصدر أول ديوان شعر في فلسطين باللغة المحكية وهو ديوان "أغاني الجليل" (الجزيرة)

سر أبيه
ما زال سعود يتذكر عتاب أبيه بعد الإفراج عنه في 1949 حين سأله أمام المهنئين "ليش يا سعود ما ردّيت علي بقصيدة ؟. كانت لحظة ارتباك لفتى خجول لم يقبض على ناصية اللغة بعد كما يقول، "إذ لا علم لي بالشعر، ولكن كلمة والدي ظلّت تلازمني وتقرع خزّان ذاكرتي وأحسست يومها أن شاعرا ولد في داخلي وعلي أن أتعهده".

وفعلا صدر ديوانه الشعري "أغاني من الجليل"، وهو أول ديوان شعر في فلسطين باللغة المحكية أو الزجلية وسر الوالد وأصيب بدهشة وغبطة عبر عنهما بقوله "لم تنس الموضوع يا سعود منذ 1948؟.. طوّلت عليّ بالردّ يا سعود!".

وهكذا شق سعود عباب بحور الشعر، بعد أن طوّع سلطان اللغة وامتلك أدواتها، مستفيدا من قراءة الكتب خاصة الشعر وقول الزجل من شروقي وعتابا وميجنا، فالولد بقي سر أبيه ونبضا لأحلامه وأمانيه.

اكتشف الأسدي الصغير لاحقا أن الزجل اللبناني "مغطى بقشة" فكانت باكورة زجلياته :
عاطريق العين ما أحلى المشي.. يومن غمزتيني وقلتي بترمشي
وفهمت يلله عالوعر نطلع سوى.. ونهمش الزعتر وقلبي تهمشي.

يرى سعود الأسدي وأشقاؤه والدهم الراحل معجما لمفردات القرآن وآياته، فقد أحسن تعليمهم لغة الضاد وأسرارها، وينوه فيصل -شقيق سعود- بأنه يحبّ شعر المتنبي كشقيقه، ويتابع "المتنبي صديقنا بينما أبو العلاء المعري شقيقنا، فهذا المأمون أخونا الثالث فينام وديوان اللزوميات إلى جانبه".

وبلغ حب سعود للعربية درجة قيامه بصباه بنسخ ديوان شاعره الأول وملهمه، المتنبي، بخط يده استعدادا لحفظه بعدما استعاره والده من صديق. وتكررت العملية بنسخ رباعيات الخيام وبعض دواوين نزار قباني وملحمة الزير سالم  التي يعدها "شفاء للنفوس".

الأسدي (وسط) أثناء تكريمه مؤخرا بالناصرة (الجزيرة)

حارس الذاكرة
حل سعود الأسدي في الناصرة في أول سبتمبر/أيلول 1960، لكن ذكريات الطفولة بين الكروم وملاعب الصبا في قرية دير الأسد موطنه الأول ما زالت حاضرة في ذاكرته وأشعاره بالتفصيل، وكأنها منحوتة بصخر الجليل.

والصورة الجميلة لموسم الحصاد والبيادر في الأرياف هي بالنسبة له قصة فلسطين وتزداد بهاء على لسان سعود حينما يحرك شريط الذاكرة ويستعيد أياما "جوعها أكثر من شبعها وعطشها أكثر من ارتوائها".

وبسبب توثيقه للماضي بقصائده العامية، يرى المؤرخ مصطفى كبها أن سعود الأسدي واحد من أبرز حماة ذاكرة فلسطين الوطنية. ويؤكد أن نتاجات سعود تتعدى قيمتها الأدبية والجمالية فتساهم بحماية الذاكرة الجماعية بسرده الرواية الشفوية للفلسطينيين قبل وبعد نكبتهم لا سيما أنه اكتسب من والده إلمامه بالجغرافيا الفلسطينية.

ويشير أن الأسدي تفرد بكلمة استثنائية مغمسة بالزيت والزعتر، معطرة بأريج الرمان والليمون  ومشحونة بإرث عمالقة شعراء العرب، حول فيها القصيدة الفصيحة لشعر عامي جميل".

 والأسدي بالنسبة لكبها مبدع كبير يرقص على لحن مزماره ولا يحاكي أحدا، لكنه يبقى له ولآخرين أيضا "أبنودي فلسطين بقوة تعبير قصيدته وظرافتها".

سعود الأسدي هو رائد قصيدة العامية ارتقى بمستوى الشعر الزجلي من القول بالأعراس إلى القول الأدبي الرصين

الفصيح والعامي
ويحفظ الشاعر جريس دبيات لزميله السدي حق الريادة، مشيرا إلى أن أكثر الزجل في فلسطين منبري ينشد في الأفراح، لافتا إلى أن سعود الأسدي أول المعرّفين به في كتابه الأول "أغاني من الجليل".

وردا على سؤال الجزيرة نت يستذكر دبيات أن شعراء وزجّالين وباحثين دخلوا لاحقا ساحة القصيدة العامية، لكن سعود الأسدي سليل بيت الشعر المحكي ولوالده وعمه تاريخ فضل في ذلك. ويشير دبيات أن الأسدي تمكن من الجمع بين الشعر الفصيح والزجل اللبناني والشعر الشعبي الفلسطيني وهذا مكمن تفرده كما يقول.

وهذا ما يؤكده الناقد والكاتب ناجي الظاهر الذي يؤكد  للجزيرة نت أن سعود الأسدي هو رائد قصيدة العامية ارتقى بمستوى الشعر الزجلي من القول بالأعراس إلى القول الأدبي الرصين.
لكنه يتفرد أيضا بسعة ثقافته واطلاعه على الأدب العربي القديم وولادته في بيئة زجلية أصيلة

ورغم شغفه بالموروث الحضاري العربي لا يخاصم الأسدي الحداثة الشعرية والموسيقية، فهو يوائم بين الشرق والغرب وبين المتنبي وبيتهوفن والأوبرا، والسرّ برأيه يكمن في ذلك البحث الدؤوب عن مواطن الجمال وأسراره.

المصدر : الجزيرة