هدى أبَلان: إمكانيات وزارة الثقافة باليمن لا تكفي  لتسيير دكان صغير (الجزيرة)
حاورها/عبد الغني المقرمي
 
بين مفارقات المشهد الثقافي اليمني ومقارباته تفاصيل شتى مثيرة نقرؤها بعين الشاعرة المعروفة، نائب وزير الثقافة هدى أبَلان التي بدت في حوارها مع الجزيرة روحا وثابة ومفعمة بالتفاؤل. ورغم إقرارها بأن يتما ذابحا يلف المثقف العربي أينما حلّ وارتحل تؤكد حتميةَ انتصاره، لأن الثقافةَ -حسب رأيها- آخر المعاقلِ والحصون.

في صنعاء التقت الجزيرة نت المبدعة والمسؤولة اليمنية، وحاورتها حول تفاصيل المشهد الثقافي اليمني ودور وزارة الثقافة وموقع المبدعين والمثقفين في ظل التحولات التي تمر بها البلاد.

كشاعرة مسكونة بالهم الثقافي وبعيدا عن منصبك في وزارة الثقافة، كيف تقرئين المشهدَ الثقافي في اليمن؟

- مشهد خصب بكل ما في هذه الكلمة من معنى، يدل على ذلك وفْرة الأسماء الحقيقية الموجودة على الساحة في شتى مجالات الإبداع، وهي أسماء استطاعت أن تكرس وجودها على الصعيد المحلي والخارجي، واستطاعت أن تثبت أن اليمنيين مبدعون، وقادرون على تجاوز مختلف الظروف، خاصة أن اعتمالات الربيع العربي استطاعت أن تكسر الحاجز النفسي لدى الكثيرين، في أن يأخذوا مواقف متقدمة، سواء على صعيد النص أو على صعيد الموقف، وهذه الاعتمالات إيجابية، لكنها تحتاج مدى زمنيا حتى يكتمل نضوجها إبداعيا.

رغم وفرة المبدعين التي أشرتِ إليها لم ينتظموا بعد في صيغة تتجاوز الفردية إلى الإنجاز الجمعي؟

المؤسسات الثقافية الرسمية تحكمها بيروقراطية وروتين، لا شك أنهما يؤثران على تحليق المبدع وعلى حريته إلى حد كبير

- أتفق معك في أن كل ما يظهر من تجليات إبداعية مردها جهود فردية، تأتي بفعل الاهتمام الشخصي لكل مبدع، ولا توجد مؤسسة حقيقية ترعى هذا المنجز، وتعمل على تقديمه وتسهيل مهمته، سواء كانت رسمية أو مدنية.

لكني أرى أن حرية المبدع وهو خارج المؤسسات تتيح له أن ينضجَ عبر نصه وفكره وإبداعه، ويظل ذلك أحسن الخيارات، خصوصا أن العمل الجماعي في الإبداع لم يعد مطلوبا، كما هو الحال في السياسة والعمل الاجتماعي، فالمؤسسات الثقافية الرسمية تحكمها بيروقراطية وروتين، لا شك أنهما يؤثران على تحليق المبدع وعلى حريته إلى حد كبير.

لكن الإشكالية هنا تكمن في قطع الصلة نهائيا بين المؤسسة الثقافية الرسمية والمثقف الفاعل ما جعله يعيش يتما ثقافيا.. ما الذي قدمته وزارة الثقافة في عهدها الجديد للتخفيف من حِدَّة هذا اليُتم؟ 

للمثقفين دور كبير في ثورات الربيع، وهم أحرارٌ في تقييم السياسي، ونقد شتى الأطراف، بعيدا عن التبعية الضيقة

- لا أخفيك سرا أن تفاؤلي وأنا خارج الوزارة كان كبيرا جدا، وحين أتيت الوزارة ووجدت إمكانياتها البائسة لا تكفي لتسيير دكان صغير فقدت جزءا كبيرا من هذا التفاؤل، فثمة ضغوط كثيرة نعانيها، فأعداد المرضى من المثقفين والفنانين -على سبيل المثال- مهولة ومفزعة، نقف أمامها عاجزين، ولا نستطيع أن نقدم لهم شيئا ما لم نطرق الأبواب العليا، وبالتالي فإن مسألة اليُتم الثقافي واضحة جلية وعلى مستوى العالم العربي ككل.

والمبدع لا يجد حاضنة حقيقية لما يعتمل داخله، ولا يجد الرعاية التي تتعهد عطاءه تقديما وتعريفا ونشرا، لأن الثقافة تأتي في آخر قائمة الاهتمامات، ورغم وجود هذا اليتم الثقافي بصورة ذابحة، فإن المنجز الإبداعي  حقيقي لدى الأفراد، الذين نبتوا في ظروف صعبة رغم المعاناة الحقيقية، واستطاعوا بروح المبدع العصية على كل المعوقات أن يشرقوا في فضاءات الإبداع فرادة وتميزا، ولا بد للمثقف الحقيقي أن ينتصر.

إلى أي مدى يمكن القول إن ثورات الربيع العربي ستخلق نهوضا أدبيا، وستعيد تشكيل المشهد الثقافي على نحو من الفاعلية؟

- إلى حد كبير طبعا، فالأدباء في اليمن مروا بمرحلتين: دورهم في تحقيق الوحدة اليمنية، التي كانت نتاج نضالاتهم منذ سبعينيات القرن الفائت، وما بعد ذلك باشتغالهم بقضايا الحقوق والحريات، ثم دورهم في اعتمالات الربيع العربي، فقد كان للأدباء والمثقفين دور كبير في ثورات الربيع، ورصدها بكل تجلياتها، وكانوا أحرارا في التقييم السياسي، ونقد شتى الأطراف، بعيدا عن التبعية الضيقة، وأجد الآن كثيرا منهم في مؤتمر الحوار الوطني، وسيحققون حالة جمال ثالثة في المشهد الوطني.

كما أن وزارة الثقافة في مؤتمرها الأخير حول السياسات الثقافية (انعقد في مايو/أيار الماضي) قدمت رؤية ثقافية ناضجة إلى مؤتمر الحوار، ونحن نريد أن ندق الأجراس، ونقول: الثقافة موجودة، وهي الحصن الأخير الذي نمتلكه في مواجهة الآخر، وهي نقطة القوة الوحيدة لدينا، فنحن ضعفاء في كل الجوانب، لكننا متقدمون في النص الشعري والسردي، وفي مدننا التاريخية، وفي الفنون الغنائية.

على السياسي ونحن نعيش أجواء الربيع العربي أن ينظر إلى المثقف على أنه مرجعيته الحقيقية، التي تجعل الآخرين يؤمنون بما لدينا من مقومات ومكونات إنسانية

وهنا ينبغي على السياسي ونحن نعيش أجواء الربيع العربي أن ينظر إلى المثقف على أنه مرجعيته الحقيقية، التي تجعل الآخرين يؤمنون بما لدينا من مقومات ومكونات إنسانية، وأن يفسح له المجال في أن يكون حاضرا، ومشاركا في صناعة القرار، بعد أن عاش مهمّشا، مستلب الفاعلية، منشغلا بتفاصيل اليومي والعابر.

يعيش المشهد اليمني اليوم حالات استقطاب مذهبي ومناطقي حادّة.. أين يقف المثقفون وسط ذلك كله من مسألة تأكيد الهوية اليمنية؟

- استطيع القول إن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ومؤسسات ثقافية أخرى لا يزالون قادرين على الدفاع عن هذه الهوية، ربما تنقض السياسة الكثيرَ من العُرى والعلاقات، لكنّ الهوية ليست محلّ نقاش أو اختلاف، وكل ما نحتاجه في واقعنا هو معالجات جادة لكل ما هو سلبي، وهذه الدعوات التي تصب خارج الهوية هي لحظات انفعال، وتنفيس عن أخطاء وتراكمات الماضي، ونحن نلتمس العذر لأصحابها.

لكن على المدى البعيد لا يمكن أن يكون هناك مثقف حقيقي يتنصل عن هويته، فالعرب -حسب قولهم- لا يمكن أن يكونوا عربا، ما لم تكن أصولهم يمنية فما بالك باليمني نفسه، وإذا كانت رياح السياسة تعبث بكل شيء فإن المثقف لا يزال صلبا، وقابضا على جمرة الهوية، وأنا أدعو الدولة اليوم في إطار مؤتمر الحوار الوطني إلى أن تعيد النظر في سياساتها تجاه الثقافة والمثقفين، لأنهم القوة الحقيقية الباقية في هذا الوطن.

المصدر : الجزيرة