غلاف الترجمة العربية لرواية إيتالو كالفينو" لو أن مسافرا في ليلة شتاء" (الجزيرة)
هيثم حسين-القاهرة
 
يصور الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو في روايته "لو أن مسافرا في ليلة شتاء" الهوية المتشظية الضائعة والصراع بين خيارات عالم ناقص، وهوس الإنسان المعاصر بإضفاء معنى على عشوائية وفوضى العالم، ويبحث عن اكتمال العلاقة بين القول والصورة، عن المتعة والإمتاع، عن الدهشة المفترضة والإدهاش المرتقب.
 
"أيّها القارئ..."، بهذه الصيغة الخطابية المباشرة يتوجه كالفينو (1923-1985) إلى قارئ روايته، ليضعه أمام مسؤولياته، ويحتم عليه المشاركة في الرواية، يضعه في قلب اللعبة الروائية، يرغمه على متابعته وانتظار ما ستؤول إليه المواجهة، يقلب طريقة التعامل بين المؤلف وقارئه.

يحرص كالفينو على تحويل القارئ إلى بطل في روايته، يُشركه في فنون الكتابة والقراءة، يمنحه بعض الخيوط ليدخل من خلالها إلى قلب الحدث، وما أن يظن القارئ أنه تعرف إلى شخصية من شخصيات الرواية حتى يجد نفسه أمام شخصية أخرى جديدة، وحين يبحث عن الشخصية السابقة يصدَم بتسرّبها من بين يديه.

يحتفي كالفينو بفعل القراءة والكتابة، ويحاول تقديم الإجابات عن إشكاليّة العلاقة بين الكاتب والمتلقي بصنع علاقة جديدة مختلفة

لذة القراءة
الرواية الصادرة لأول مرة بالعربية عن الهيئة العامّة لقصور الثقافة بالقاهرة 2013 في ترجمة لحسام إبراهيم وكانت قد صنفها نقاد ضمن قائمة أفضل مائة رواية عالمية في تاريخ الأدب، تقدم تصورات مختلفة عن السائد بشأن مفهوم القراءة والكتابة. إذ يقدّم فيها كالفينو رسالة حب عن مسرات القراءة، وشعور القارئ بنوع من الصدمة والدهشة، يترافق مع لذة القراءة وغرابتها وتمرّدها على الصيغ الرائجة والمألوفة.

يحتفي كالفينو بفعل القراءة والكتابة، ويحاول تقديم الإجابات عن إشكالية العلاقة بين الكاتب والمتلقي بصنع علاقة جديدة مختلفة. يتغلغل في تفاصيل عالم النشر وصناعة الكتاب، وكيف تخلق أخطاء معينة قصصا غريبة، وتمنح القارئ متعة قراءة فصول ناقصة لروايات غير مكتملة.

ويبرز صاحب "ثلاثية أسلافنا" مركزية القراءة ومتعتها وقدرتها على التغيير، سطوتها وسلطتها، دورها في خلق الشخصيات وتسييرها، بالموازاة مع سلطة الكلمة المكتوبة، وما يتخلل عالم الأدب من زيف وتزوير وتحايل بحيث تصير الكتابة والقراءة نوعا من الفخ.

ينطلق الروائي الإيطالي من فكرة كتابة قصة تتألف من بدايات قصص، الشخصية الرئيسية قارئ تحول الظروف باستمرار دون مواصلة القراءة، تراه يشتري القصة الجديدة لأحد المؤلفين فيتفاجأ بأن هناك خطأ وأنها مقدمة بقلم آخر، وتكون نسخة ناقصة، ولا يمكنه المضي بعد البداية، فيعود إلى المكتبة لاستبدال الكتاب، وهناك تستجد أمور جديدة وظروف طارئة، يكتشف أن كثيرا من النسخ خرجت بتلك الصيغة الناقصة، ويشهد احتجاج القراء وحرصهم على إتمام ما بدؤوا بقراءته، لكن ذلك لا يتحقق، وتبقى القراءات مبتورة والشخصيّات أطيافا هائمة.

ينتقل صاحب "مدن لا مرئيّة" بقارئه في الاثني عشر فصلا، والحكايات العشر الناقصة التي تتخللها، إلى عوالم تبدو غير مترابطة، يبني روايته على أجزاء مبتورة لروايات ناقصة، كل فصل يكون حلقة في عالم متصل منفصل في الوقت نفسه، فالمسافر الذي ينتظر في محطة قطار يقرأ مشاهد من رواية هي روايته المكتوبة، يغيب في زحام الوافدين الجدد الذين يقتحمون عالمه، فتتقهقر صورته وتضيع في تعاقب الفصول المقتطعة لكتاب من مشارق الأرض ومغاربها.

كل فصل يشير إلى منطقة في العالم، يحاول أن تكون معبرة عن مختلف الجهات والتوجهات، فمن أوروبا إلى أفريقيا إلى أميركا إلى آسيا، يقحم كالفينو مؤلفين مفترضين في سياق روايته التي يصورها على أنها نتاج فصول مبتورة.

يقدم كالفينو في نصه فكرة تكامل العوالم وتأثرها بعضها ببعض بعد انشطارها السابق، وأن لا شيء بمعزل عن الآخر في هذا العالم

حسرة النقص
البناء الروائي لدى كالفينو في غاية التعقيد، فطريقته في الكتابة كما يقول "هي أقرب إلى طريقة الشاعر في نظم قصيدته"، في رواية أرادها أن تقوم على الفانتازيا بكاملها، فبقدر ما قد يضمره النص من بساطة متوقّعة، تكمن قوّة الحبكة في اللاحبكة، والترابط الأكثر متانة يكون في التفكك الواعي، والنهايات المحتملة تقتفي أثر البدايات المنفتحة.

وتتكامل الفصول الناقصة في النص لتسد فجوات الواقع، وتقوم بتجسير المسافات بين العوالم والاختلافات والبشر، إذ إن حالة النقص المنبثة في متن الرواية ترغم القارئ على البحث عن الاكتمال، مما يدعو إلى السعي الدؤوب للبحث نحو الآخر ليكمل به ومعه نقصه، ويستكمل رحلته وسفره، بحيث يتمكن عبر البحث المنشود من تبديد برد الشتاء وعتمة لياليه.

ويعكف قارئ كالفينو على مقاربة إستراتيجيات القراءة والكتابة، وتفكيك شفراتهما من خلال إشاعة الخلط بين العناوين وأسماء المؤلفين والأسماء المستعارة واللغات والترجمات والطبعات والأغلفة وصفحات العناوين والفصول والبدايات والنهايات.

ورحلة القارئ حول العالم من كتاب إلى كتاب في الرواية نفسها تختصرها القصص العشر التي تتبخر من بين أصابعه تباعا، في اللحظة التي يبدأ فيها القراءة يمكن أن يجد نفسه في قلب العالم، ويحلم باجتماع تلك الحكايات في مكتبة ما، ومفترضا أن العالم ليس به سوى حكايات تبقى معلقة أو تضيع في المسير على الطريق. كأنه بذلك يحاكي صيغة "ألف ليلة وليلة" من حيث تناسل الحكايات وتشعبها وانطلاقها في متاهة الليل بحثا عن حياة جديدة.

يتبدى كالفينو المجدد المجرب دوما في أشكاله الروائية وهندسة بنيان رواياته، مستعيدا بالرواية وصاياه للألفية القادمة، تلك التي تحدث فيها عن السرعة والخفة والدقة والوضوح والتعددية والتماسك في عالم يفتقر للكمال، ووجد أن الفن فيه يبقى هو العزاء بمحاولة التغلب على حسرة النقص.

لذلك فإنها توصف بأنها رواية عن سعي الإنسان إلى الكمال في عالم ناقص، ورغبته في أن يكون هناك معنى وسط الفوضى المعمّمة. وهو ينطلق في مسعاه من رؤية فلسفية عميقة ترى أن الجمال والعدل والحكمة لا وجود لها إلا فيما هو مشطور وناقص بالضرورة، كالواقع الذي يفرض ذاته على الشكل الروائي.

وكأن كالفينو في نصه يقدم فكرة تكامل العوالم وتأثرها بعضها ببعض بعد انشطارها السابق، وأنه لا شيء بمعزل عن الآخر في هذا العالم، مؤكدا أن للمعنى النهائي الذي تحيل إليه كل الحكايات وجهين: استمرارية الحياة، وحتمية الموت.

المصدر : الجزيرة