انفتاح غوته على الثقافة العربية والإسلامية أعطى شعره نوعا من الدفء والروحانية (الأوروبية-أرشيف)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

على عكس أدباء وشعراء نظروا إلى الإسلام نظرة منغلقة، جاء الشاعر الألماني غوته بنظرة تتميز بالانفتاح على الثقافة العربية والإسلامية. وهو الأمر الذي يجعل الحاجة ملحة للعودة إلى أعماله، التي يراها الكثيرون درسا في التسامح.

يحتاج المرء لدراسات وأبحاث كثيرة لتناول التأثير العربي والإسلامي على أعمال الشاعر الألماني الكبير يوهان فولفغانغ غوته (1749-1832)، فاهتمام غوته وحبه للثقافتين العربية والإسلامية لم يتجلى فقط في عمل واحد وإنما في عدة أعمال، بل في عدة مراحل من تكوين هذا الشاعر. لكن يبقى "الديوان الشرقي الغربي" عمل غوته الأهم الحامل للمسة إسلامية عربية وفارسية أيضا، كما ترى كاتبة هذا المقال ريم نجمي في موقع دويتشه فيلله.

يبقى السؤال اليوم، لماذا العودة إلى غوته وإلى أعماله؟ أما الجواب على ذلك فليس من الصعوبة بمكان، لا سيما أن عالمنا يشهد فتنا وصراعات سياسية وحضارية تأخذ أشكالا دينية وعرقية ومذهبية وقبلية وغيرها. وهو الأمر الذي يؤكد عليه رئيس جامعة ابن طفيل في القنيطرة المغربية ورئيس بيت الشعر في المغرب سابقا، عبد الرحمن طنكول، في قوله "لقد حان الوقت لإعادة قراءة غوته، وإعادة قراءة البعد الروحي في أعماله. لقد أصبحت هذه العودة ملحة في عالم يتسم بصراع الثقافات وإقصاء الأقليات". ويضيف الناقد المغربي: "غوته يعطينا من خلال علاقته بالثقافة العربية والإسلامية درسا في التسامح، وفي بناء جسور مع عوالم جديدة".

الشاعر الألماني تأثر بالقرآن الكريم
وظهر ذلك جليا في أشعاره
(الأوروبية
)

روافد عربية إسلامية
يلمس المتتبع لأعمال غوته من غير شك التأثير العربي والإسلامي على أعماله، لكن الباحثين يختلفون حول مدى قوة ذلك التأثير. فالبعض يعتبر المكون العربي الإسلامي في أدب غوته مكونا ثانويا، بينما يرى آخرون أنه مكون أساسي في أعمال شاعر ألمانيا الكبير، كما هو الشأن بالنسبة للباحثة الألمانية الأميركية كاترينا مومزن، التي يصعب الحديث عن غوته والعالم العربي والإسلامي دون الرجوع إليها، ذلك لأنها أهدت حياتها العلمية والأكاديمية الممتدة على مدار عقود إلى أعمال غوته وعلاقتها بالثقافة العربية والإسلامية.

ترى مومزن في كتابها "غوته والعالم العربي" أن غوته ما كان ليصل لما هو عليه لولا اطلاعه على الثقافة العربية والإسلامية، كما تثبت الباحثة الألمانية اطلاعه الواسع على القرآن الكريم وحكايات ألف ليلة وليلة والمعلقات الشعرية العربية، والشعر الفارسي المتمثل في شعر حافظ الشيرازي، وغيرها من روافد الثقافة العربية والإسلامية.
 
"ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية"، بهذه الكلمات يصف غوته اللغة العربية. فقد أدخل الشاعر الألماني مفردات فارسية وعربية على قصائده، كاستخدامه لمفردة "ديوان" أو مفردة "هدهد"، بالإضافة إلى الاستعارات الشعرية العربية غير الموجودة في التعبير الألماني كتعبير "وجهها كالقمر". أما تأثره بالقرآن فيظهر جليا في هذه القصيدة "لله المشرق، ولله المغرب، والشمال والجنوب يستقران في سلام يديه"، وهي محاكاة واضحة لقوله تعالى في سورة البقرة "ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله".

غوته شاعر كوني

"ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية"، بهذه الكلمات يصف غوته اللغة العربية

"الشاعر اليوم وفقا لرؤية غوته ليس مجرد وريث للغته الخاصة وحدها، وإنما هو وريث كذلك للغات كلها وللكون كله"، هذا ما قاله الشاعر السوري الكبير أدونيس في كلمة بمناسبة استلامه جائزة غوته في فرانكفورت سنة 2011. فغوته لم يكن حبيس ثقافة واحدة، وإنما اطلع على ثقافات متعددة كاليونانية والصينية والفرنسية والفارسية والعربية، وغيرها من الثقافات.

وعلى عكس أدباء وفلاسفة نظروا إلى الإسلام نظرة سلبية كدين منغلق وغير منفتح على الحوار مع الشعوب الأخرى، كالفيلسوف هيغل مثلا الذي أشار إلى أن الإسلام دين متعصب، جاء غوته بنظرة أخرى تتميز بالتسامح.

يقول الناقد المغربي عبد الرحمن طنكول "لقد قام غوته بقطيعة مع ما يسيء للمنطقة العربية والإسلامية، فقدم قراءة خاصة للمشرق ككيان جغرافي وروحي بما يتميز من خيال وروحانيات وإشراقات مضيئة تتعارض مع النظرة التشاؤمية".

مصدر الدفء والروحانية
برز غوته في فترة تاريخية تميزت بحضور قوي للاستشراق الألماني، حيث تم اكتشاف حكايات ألف ليلة وليلة بعد ترجمتها إلى الألمانية، كما ظهرت دراسات حاولت أن تقرب الألمان من الثقافة العربية والإسلامية، بالإضافة إلى ظهور معجم المستشرق الألماني كارل بروكلمان الذي اهتم بالأدب العربي. فانفتح القراء الألمان على عالم آخر بلغته وخياله وتصوره للعالم، الأمر الذي أحدث دهشة لدى القارئ الألماني.

انفتاح غوته على الثقافة العربية والإسلامية أعطى لشعره نوعا من الدفء والروحانية، كما يشرح عبد الرحمن طنكول العميد السابق لكلية الآداب في جامعة فاس، بل إن الناقد المغربي يرى أن هذا الدفء امتد إلى الشعر الأوروبي ككل، ويقول "غوته هو من الشعراء الألمان والأوروبيين القلائل الذين استطاعوا أن يعلوا بالمدرسة الشعرية الألمانية والأوروبية بفضل التأثير المشرقي".

------------------------------------------
ينشر هذا المقال ضمن برنامج النشر المشترك بين الجزيرة نت ودويتشه فيلله

المصدر : الجزيرة + دويتشه فيلله