ملصق فيلم الصدمة ويظهر فيه البطل أمين الجعفري وزوجته (الجزيرة نت)

بوعلام رمضاني-باريس

كثيرة هي الأسباب التي تجعل من فيلم "الصدمة" للمخرج اللبناني زياد الدويري مصدر إعجاب ونفور في الوقت نفسه، الأمر الذي يضمن جدلا يزيد من عمر وقعه على عامة المتفرجين العرب والفرنسيين وخاصتهم، على السواء.

فعلاوة على موضوعه المثير والخلافي بامتياز، والمتمثل في  قصة جراح شهير إسرائيلي من أصل عربي يصعق نفسيا بخبر العملية الفدائية التي نفذتها زوجته الحامل لحظة تسلمه جائزة في حفل بهيج، فإن اقتباس سيناريو الفيلم عن إحدى أشهر وأهم أعمال الروائي الجزائري ياسمينة خضرا -الضابط السابق في الجيش- يعد سببا كافيا لمشاهدته، لا سيما أنه يطرح إشكالية المقاومة والإرهاب على خلفية قصة حب نسجت دراميا بشكل يحبس الأنفاس، كما حدث للبطل أمين الجعفري.

ترجمة عنوان رواية  خضرا "الاعتداء"  بـ"الصدمة" سبب آخر مثير يفسر مقاربة المخرج الدويري الفنية التي سمحت بتأكيد وترسيخ عالم خضرا الروائي القائم على نزعة إنسانية ووجودية على طريقة ألبير كامو مثله الروائي الأعلى، كما قال "للجزيرة نت". 

رواية "الاعتداء" التي صدرت عام 2005 عن دار جوليار مكنت صاحبها من جائزة المكتبات عام 2006، ومن طبعة جديدة بالتزامن مع عرض الفيلم الذي يعد إنتاجا مشتركا بين فرنسا ومصر وقطر.

غلاف رواية "الاعتداء" التي اقتبس منها سيناريو الفيلم (الجزيرة نت)

مأساة مزدوجة
يؤكد الدويري وخضرا في الفيلم على مسارين متوازيين ومتلازمين يتمحوران حول المأساة الإنسانية الشخصية والخاصة للزوج البطل الذي لم يفهم كيف تم تجنيد زوجته باسم الدين والمقاومة إلى درجة غطت على الحب الكبير الذي جمع بينهما، وأدت إلى كتمانها سر قيامها بالعملية الفدائية، وكيف أصبح موضع شبهة من طرف الإسرائيليين بعد سعيه لتفهم فعل زوجته رغم مكانته المهنية المرموقة في تل أبيب.

المأساة النفسية والوجودية والعبثية  الصغرى التي تتمثل في الانهيار العصبي الذي أصاب البطل خرجت من رحم المأساة السياسية الكبرى التي تسبب فيها محتل غاصب شرد شعبا عربيا وقتل أطفاله ونساءه وشيوخه، كما قال الراهب المسيحي للزوج الذي راح يبحث في رام الله عن أفراد العائلة ليدلوه على الشيخ الإمام المتسبب في دفع زوجته للاستشهاد، وليس للقيام بعملية انتحارية يروح ضحيتها الأطفال أيضا كما رد عليه الزوج المفجوع.

إخراج موفق
الفيلم الذي صور في تل أبيب -وقال عنه المخرج الدويري إنه يعالج سر صعوبة وتعقد الحياة الزوجية قبل كل شيء- كان موفقا فنيا، وغطى على الخلاف الفكري والسياسي الذي يفرضه الفيلم أو على الحياد الذي تحدث عنه الإعلام الفرنسي استنادا لمعيار طرح وجهتي نظر الطرفين المتصارعين دون الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، علما بأن الطرح يحيلنا مباشرة على موقف كامو الرافض لكل مبررات العنف الذي يروح ضحيته الأبرياء، الأمر الذي تركه يصف جبهة التحرير الجزائرية بـ"الإرهابية"، كما تصف إسرائيل المقاومة الفلسطينية. 

من ناحية الإخراج، أضحى الفيلم متوازنا على كافة الأصعدة الفنية تقريبا، ووفق في استنطاق القدرة التمثيلية عند علي سليمان في دور الجراح بوجه خاص، في حين كان أداء الممثلين الإسرائيليين الآخرين، بما فيهم ريموند أمسالم التي لعبت دور الزوجة، عاديا.

الفيلم الممنوع في الدول العربية بما فيها لبنان بلد المخرج حتى إشعار آخر، عرض في المهرجان الدولي بدبي ورشحته أكاديمية الأوسكار لجائزة أحسن فيلم أجنبي.

أخيرا تجدر الإشارة إلى أن الاقتباس الذي قام به المخرج وجوال توما ترك البطل حيا خلافا لرواية خضرا التي يقتل فيها بقذيفة إسرائيلية مع الإمام الفلسطيني.

سبق للدويري أن عمل مساعدا للمخرج كونتا ترانتينو، وأخرج فيلم "غرب بيروت"، ويعد أحد مؤسسي السينما اللبنانية المعاصرة.

المصدر : الجزيرة