غلاف رواية "رقصة أخيرة قبل الموت" للمصري شريف حتاتة (الجزيرة)
هيثم حسين-القاهرة
 
يحرص المصري شريف حتاتة على الاحتفاء بالحياة والاستمتاع بها، وعدم الإثقال على الذات والآخر بالهموم أو استجلاب النكد، وهو يدري أن لكل مرحلة عمرية استحقاقاتها، إذ يركض بطله إلى الموت مبتسما مبتهجا، لا يرضخ لأي كآبة ولا ينغمس في بحر الأحزان، ويعلو دبيب الحياة في داخله على نداء الموت.
 
يعتمد حتاتة (90 عاما) المفارقة في اختياره عنوان روايته "رقصة أخيرة قبل الموت"، فبقدر التشاؤم البادي يحضر لديه شغف بالحياة وتفاؤل مواز بمكنوناتها وجمالياتها، ذلك أن الرقصة دلالة على حال من البهجة تتلبس المرء، ولكنها قد تنقلب إلى النقيض إن كانت الأخيرة التي تسبق الموت، حينذاك توقع المرء في فخ الحيرة ورهاب القادم، وقد تلهيه عن واقعه، كما قد تدفعه إلى أقصى درجات البحث عن الاستمتاع بها باعتبارها الأخيرة.

يسرد حتاتة روايته التي نشرها مركز المحروسة هذا العام، على لسان الراوي عزّت المرشدي الذي يبدو صورة متماهية مع الروائي نفسه، ولاسيما في تركيزه على السن وانشغاله بالرواية، فيضع الرواية في أحضان السيرة دون أن تنغمس في مباشرتها ومساءلات المحيطين المزمعة أو استجوابهم المتوقع.

على لسان الراوي عزت المرشد، يضع حتاتة الرواية في أحضان السيرة دون أن تنغمس في مباشرتها ومساءلات المحيطين المزمعة أو استجوابهم المتوقع

طفولة جديدة
يقترن عزت بالناقدة "أمنية مروان" المنحدرة من أصل ريفي، والتي تكافح لإثبات ذاتها في ظل واقع القاهرة العصيب. يتعرّف إليها كقارئة تعجب برواية من رواياته "مصيدة" تناقشه فيها، ثم لا تلبث أن تحوز على إعجابه وقلبه، وتتخطى الصعوبات والعوائق، كما تتجاهل غمز الناس ولمزهم بها، وتقولاتهم التي تتهمها بما ليس فيها.

وكأن روايته تلك تصبح مصيدة ممدوحة ومنشودة للقارئة المعجبة الباحثة عن ذاتها، والتي تتطوّر لتعمل في الإخراج والنقد وتحصل على درجة علمية عالية.

تجد أمنية مع عزت راحتها وتكتشف معه وجودها، يكون بخبرته المديدة سندا لها، وتكون بشبابها واندفاعها وقوة شخصيتها سندا له بالمقابل، تستمتع برفقته وتسعد بأحاديثه، تكتشف معه نوعا مفقودا من الأمان بالنسبة إليها.

تتبلور معه كينونتها، وتحرص على اقتفاء سيرة حياته، وإتمام مشاريع فنية عنه، وهو الذي يتعرف من خلالها إلى وجه جديد في الحياة لم يكن يعرفه، أو كان يتعالى عليه، لكنه يبدأ بالتمتع به معها، تراه يشاركها تفاصيل صغيرة، يضحك لأسباب لم تكن تضحكه سابقاً، يكسر معها كثيراً من قيوده.

وكما كان نقطة إيجابية في حياتها، كانت بالنسبة إليه بوصلة جديدة في بحار يعيد اكتشافها. يقول لنفسه إنه منذ أن عرفها أصبح يعيش الأشياء البسيطة في الحياة، وأن حياته كانت فيها تلك الجدية التي تفتقد القدرة على الهزل، على الاستمتاع بأشياء يمكن اعتبارها تافهة.

يعيش معها عزت طفولة جديدة وبراءة مستعادة، تكون تلك العلاقة بمثابة مرآة تكشف آثار الزمن، كما تظهر موجبات العمر واستحقاقاته التي لا مناصّ منها. يصف حالة الشغف التي تلبسته، والتجدد الذي تخلل حياته بدخول أمنية إليها، وتغييرها الجميل لكثير من عاداته.

يستشهد برواية لفالتزر عن الشاعر غوتة الذي تزوج فتاة تصغره بنحو نصف قرن، ثم يحرص على الإشارة إلى الفروقات بين حالتيهما، ذلك أن زوجة غوتة كانت أنانية وتعشق صورتها مع شهرة غوتة، فضلا عن منبتها الأرستقراطي، في حين أن تلك الأمور لا تنطبق على حالته، علاوة على الأصل الريفي لأمنية، وتعلقها بعزت وحبها له لشخصه لا لشهرته.

يتزامن التغيير العام في الرواية مع التجديد الداخلي، وتكون الرقصة بمثابة مكافأة يقدمها الراوي لنفسه، يثبت من خلالها إمكانية السير إلى الموت بثغر باسم، متشبثا على طريقته بالحياة وجمالياتها

مصالحة الذات
يحاول حتاتة إدخال بعض الأحداث المعاصرة على روايته، موسّعا إطار الاشتغال، ومنتقلاً من حديث الداخل إلى تصوير الخارج وتداعياته الخطيرة، كتصويره للاعتداء الإسرائيلي على غزة وما خلفه من ضحايا وإجرام.

ولا ينحصر اهتمامه بالخارج في متابعة التطورات الحاصلة في أكثر من بقعة، بل يعيده إلى بلده، إذ يشترك بطله في مظاهرات ميدان التحرير، وكأنه يحقق أمانيه كلها بالثورة التي تلت ثورته الشخصية على قيود الزمن وأغلال المجتمع.

يكون الرقص وسيلة لمصالحة الراوي مع أخته زينة في حفل زفاف حفيدتها، وتكون تلك مناسبة كي يطلق عنان جسده وروحه في رقصة مديدة، يتحدى به الزمن والجسد، كما يكون فرصة لإعادة الود بين الإخوة، وترحيب أهله بأمنيته التي جددت له حياته وأصبحت أمله المتجدد.

يرقص كما لم يرقص أيام الشباب، يشعر كأن جسمه أفلت منه ولم يعد يقيّده شيء، تتبخر كل الأحاسيس ما عدا الإحساس بنشوة الحركة الحرّة، بالموسيقى تهزه، نسي الأدوية والحقن ونصائح الطبيب والدعامة المعدنية المرشوقة في جسمه، نسي كل شيء ما عدا السعادة البدائية التي استولت عليه، ما عدا إحساسه بوجود أمنيته تنتظره.

يتجلى التفاؤل في النهاية، حين ينجح الثوار في إجبار الرئيس على التنحي، ويكون الفرح العارم عامّا، حيث يتغلب الناس على خوفهم المزمن ورهاب الأجهزة الأمنية، ويحققون التغيير ويسيرون في درب الثورة.

كما يتزامن التغيير العام مع التجديد الداخلي، وتكون الرقصة بمثابة مكافأة يقدمها الراوي لنفسه، يثبت من خلالها إمكانية السير إلى الموت بثغر باسم متخففا من مشاعر الخوف، ومتشبثا على طريقته بالحياة وجمالياتها.

المصدر : الجزيرة