تجربة سمرة.. تغذت من مصادر متعددة

أنطوان جوكي-باريس

مثلت تجربة الفنان السعودي فيصل سمرة موضوع كتاب صدر أخيرا بعنوان "فيصل سمرة.. الحقيقة المحرّفة" عن دار نشر "سكيرا" الدولية، حيث تطرقت الناقدة الفرنسية روكسانا عزيمي لظروف ولادة هذا الفنان عام ١٩٥٦ (من أب سعودي وأم بحرينية)، ولتنقله الدائم بين البلدين ثم بين الخليج العربي وفرنسا، لتفسير وضعيته الوسطية وميله إلى ما هو غير محدَّد وغير منجَز.

ومن هذا المنطلق ترى الناقدة في عمل سمرة فنا يتغذى من مصادر متعددة، شرقية وغربية، يحددها الفنان بقوله "أريد أن تتحلى مواضيعي بمداخل وطبقات متعددة، وأن تُقرأ بطريقة حارقة ومباشرة، ولكن أيضا بطريقة فلسفية وروحية".

ومن خلال قراءتها النقدية، تتوقف عزيمي عند عام ١٩٦٨ بوصفه تاريخا مفصليا في سيرورة إبداع الفنان لاكتشافه آنذاك عمل مايكل أنجلو وانصعاقه أمام خطه الحر ودقة تنفيذه للأجساد بالتواءاتها وتداخلها، وقدرته على بثّ الحياة فيها.

وأشارت إلى أن هذا الاكتشاف سيقوده بسرعة إلى رفض الشكل السجين والتشكيل الجامد، وإلى رفض دكتاتورية "الجديد" العبثي في نظره، ودكتاتورية "الأسلوب" الذي يرى فيه جمودا ويفضّل عليه كلمة "ميل" أو "ذوق" الذي يتضمن تنويعا و"يرتبط بعصب داخلي لثقافتنا".

تحوّل جوهري
وانطلاقاً من عام ١٩٨٥، تلاحظ عزيمي تحوّلا جوهريا في عمل سمرة يتجلى في تفجيره إطار لوحته وتحريرها من عبودية الهيكل وتعليقها في الفضاء.

ترى الناقدة في عمل سمرة فنا يتغذى من مصادر متعددة شرقية وغربية يحددها الفنان بقوله: أريد أن تتحلى مواضيعي بمداخل وطبقات متعددة، وأن تُقرأ بطريقة حارقة ومباشرة، ولكن أيضا بطريقة فلسفية وروحية

ولعب مفهوم "المعلقات" الذي مارسه الشعراء في العصر الجاهلي دورا مرجعيا في هذا التوجه الذي ستعززه قراءة الفنان لبحث الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز "الثنية" المرصود للأسلوب الباروكي في الفن.

وإثر هذه القراءة ينطلق سمرة في تحقيق لوحات على قماشٍ مجعَّد تظهر على سطحه طيّات تبدو وكأنها ثنايا ذاكرة أو كتجسيد للزمن وللتحولات الناتجة عن مروره.

ومع انبثاق موضوع "التبدّل" (métamorphose) في عمله، يتوجّه سمرة عام ١٩٩٤ إلى تقنية الفيديو التي تشكّل في نظره الوسيط الأفضل لإظهار تحوّل الأشياء والأشكال.

وفي هذا السياق تستحضر الناقدة فيلمه الأول الذي نشاهد فيه منحوتة على شكل هيكل عظمي لخروف، علّقها الفنان على شجرة وصوّر احتراقها البطيء بعد إضرامه النار فيها، وفيديو آخر يقشّر فيه برتقالة أمام عدسة الكاميرا.

أما سلسلة "واقع مشوّه" -التي بدأ سمرة في تحقيقها عام ٢٠٠٥- فتتألف من أعمال مصوَّرة، يصبح "التبدّل" فيها فعلا عاصفا ومشهدا حاميا، كما يحدث في فيديو "ارتجال" الذي يستخدم الفنان فيه شرائط من قماش ليخلق -بعصبية واضحة- حُجُبا وعمامات تتحول تحت أنظارنا إلى كمّ من الأقنعة.

لوحات متعددة
وترى الناقدة أن سلسلة الصور الفوتوغرافية، التي تتبعها وحققها الفنان على شكل لوحات متعددة المصاريع، سمحت له بالإفلات من الإطار وبمد عمله بديناميكية وجانب سردي، حيث يبدو وجه الرجل الماثل فيها ملفوفا كمومياء وخاضعا لعملية تنكُّر وتعرية مستمرة، مما يعكس تلاعبا في هويته وتهجيناً له.

فيصل سمرة:
حقلنا البصري منتهَك باستمرار ومشبّع بالصور إلا حين نذهب إلى الصحراء. ولكن حتى هناك يمكن التشويش على الطبيعة. فيض الصور والأكاذيب يخنقني، وشخصياتي تتمرد على زمننا وتحاول صد الصور الإعلامية التي تتحكّم بها وتحجب رؤيتها
ومن الأعمال الأخرى التي تتوقف عندها الناقدة ضمن هذه السلسلة عمل "أداء ٣٤" الذي يتراءى فيه محاربٌ متوّج بنور أبيض، يرتدي قناعا من دم ويمسك في يديه قطعة قماش يفتلها ويرخيها كساحر فيحوّلها إلى سلاح.

كما تتوقف الناقدة عند عمل "أداء ٤٧" الذي نشاهد فيه محاربا آخر يبلبل الضوء والحركة ملامحه وتنبثق منه شرارات، و"أداء ٣٥" الذي يظهر فيه رجلٌ يرتدي قناعاً كرنفاليا ويتلاعب بقطعة قماش شفافة تظهر لنا على شكل تجلٍّ روحي.

وفي معرض تفسيرها معنى هذه السلسلة، تستحضر عزيمي قول سمرة الآتي: "حقلنا البصري منتهَك باستمرار ومشبّع بالصور، إلا حين نذهب إلى الصحراء. ولكن حتى هناك، يمكن التشويش على الطبيعة. فيض الصور والأكاذيب يخنقني. وشخصياتي تتمرد على زمننا وتحاول صد الصور الإعلامية التي تتحكّم بها وتحجب رؤيتها".

وفي هذا السياق، "تتحول الشخصيات إلى محاربين بلا أسلحة، مثل دون كيشوت، هدفهم التحرر من الصور بدلاً من إضافة طبقة أخرى عليها". كما تأخذ هذه السلسلة كل معناها، في نظر الناقدة، على ضوء التمدين السريع للشرق الأوسط حيث يبدو كل شيء فجأة اصطناعيا.

ربيع عربي
وفي أعمال سمرة اللاحقة، تستشف عزيمي علامات تتنبأ بالربيع العربي. ففي عمل "تحرير الصنم" (2010) -الذي يتألف من أربعة عناصر- نشاهد أولا منحوتة تمثّل الدكتاتورية والمرآة النرجسية للطاغية، ثم فيديو تظهر فيه عملية قلب المنحوتة وتدميرها، فصور فوتوغرافية التقطت لحطامها الذي تم ترتيبه على شكل دائرة.

وأخيرا بعض كسرات هذا الحطام خلف زجاج طيّع كآثار قديمة. وفي فيديو "مقاومة" المينيمالية (2010) نشاهد رجلاً يتعرّض وجهه لريحٍ قوية تشوّه ملامحه في البداية، لكنه يعتادها ويتحمّل عنفها بعزم، قبل أن تهدأ الريح فيستعيد وجهه ملامحه العادية.

وأحياناً، يختصر سمرة فعل المقاومة بالبقاء على قيد الحياة والنهوض من السرير يومياً، كما يحدث في الفيديو الذي نرى فيه امرأة ممددة على سريرها تستحضر في رأسها أحداث نهارها وتكبت دموعها، قبل أن تنفجر في ضحك عصبي يغسل حزنها.

وضمن السياق الحدسي للثورات العربية، تقرأ عزيمي سلسلة "جسد آخر" التي بدأها سمرة عام ١٩٩٦ التي تعلو سطوحَها نصوص تتميز أحيانا بشحنة نقدية لاذعة، أو سلسلة "صورة نصّية" التي يتزاوج فيها أيضاً التشكيلي والكتابي وتتألف من لوحات ثلاثية المصاريع، كُتب على مصراعها الأول: "أنتم أمة تتكلم ولا تفعل"، وعلى مصراعها الثاني: "وحين تفعل، تقع في الخطأ"، وعلى المصراع الثالث: "وحين تقع في الخطأ، تكرر خطأها من جديد".

وما يبرر هذه القراءة هو استثمار سمرة هذه التقنية بغزارة في أعمال المرحلة الحالية، كاللوحة السوداء التي كتب على سطحها: "الشعب يريد الحياة"، أو اللوحة الحمراء التي نقرأ داخلها تحت صورة لسوبرمان: "لا للبطل الأوحد، كلنا أبطال". ففي جميع هذه الأعمال، تستحضر الجُمل المكتوبة، في نظر عزيمي، الشعارات التي رفعها المتظاهرون التونسيون والمصريون خلال ثورتيهما.

المصدر : الجزيرة