نزار الفراوي-الرباط
 
حصد الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية اعترافا دوليا جديدا بنضج تجربته والقيمة الإبداعية لعطاءات أجيال متعاقبة من الكتاب الذين اختاروا الإقامة في مرابع لغة موليير، وتمثل هذا الاعتراف في فوز الكاتب فؤاد العروي مؤخرا بجائزة القصة التي تمنحها أكاديمية غونكور الرفيعة.

ويكرس هذا التتويج المكانة التي راكمتها تجارب أدبية تعيش المنفى -جغرافيا ولغة- لكنها تظل وفية لروح المجتمع المغربي، وطبيعة انشغالاته، وتطورات بنياته، على غرار تجربة فؤاد العروي المقيم بأمستردام، مدرسا للاقتصاد في جامعتها.

ويبدو أن الكتابة بالفرنسية -لغة المستعمر السابق- قد تجاوزت وصمة "الفولكلورية" و"الاستلاب الثقافي" التي لاحقت طويلا جيل الرواد في المغرب -كما في الجزائر وتونس- لتصبح خيارا ثقافيا يغني المشهد الأدبي في هذه البلدان، المطبوعة بالازدواجية اللسانية والثقافية، بين العربية والفرنسية.

ويعد فؤاد العروي -بمساره الروائي والقصصي المتميز- أحد فرسان جيل ما بعد الرواد، الذي خط لنفسه تجربة أكثر التصاقا بالمعيش المغربي وتفاصيل الحياة الشعبية، باتجاه مغاير عن النفس الكلاسيكي الذي طبع إبداعات المؤسسين من أمثال أحمد الصفريوي وإدريس الشرايبي، ثم الطاهر بن جلون وعبد اللطيف اللعبي، اللذين فازا أيضا بالجائزة نفسها، الأول في مجال الرواية بـ"ليلة القدر" عام 1987 والثاني في مجال الشعر عام 2009.

ويكاد العروي -المبدع ذو المسار المختلف، الذي تخلى عن السلك الوظيفي كمهندس في الفوسفات، وهاجر ليتفرغ لشغفه الأدبي والبحثي خارج المغرب- يتفرد بخاصية السخرية الطافحة حد الغرابة، التي يحيك حولها مواقفه، ويرسم بمدادها بورتريهات شخوصه.

يكاد العروي -المبدع ذو المسار المختلف- يتفرد بخاصية السخرية الطافحة حد الغرابة، التي يحيك حولها مواقفه ويرسم بمدادها بورتريهات شخوصه

سخرية الواقع ومفارقاته
ولعل عناوين مجموعاته الأخيرة تكشف جانبا من هذه الروح الساخرة والعبثية أحيانا، بحيث يبدو أن الشيء الجاد الوحيد في قصص العروي هو الكتابة نفسها كمنظومة محددة الهوية والأسلوب: "اليوم الذي لم تتزوج فيه مليكة"، و"عام عند الفرنسيين" ثم "قصة بنطال الدسوكين الغريبة" الصادرة عن دار نشر جوليار الباريسية، والتي توجته بجائزة غونكور.

وكان العروي قد فاز عام 1996 بجائزة ألبير كامي عن روايته "أسنان خبير المساحة"، واختير ضمن قائمة من الكتاب المرشحين ضمت أيضا فرانك كورتيس وج.لاتيس وماثيو ريمي.

وتدور القصة الرئيسية التي حملت المجموعة عنوانها (قصة بنطال الدسوكين الغريبة) حول موظف كبير في الحكومة المغربية تسند له مهمة شراء شحنة من القمح من أوروبا. ينتقل إلى العاصمة البلجيكية لإتمام الصفقة، وحين يستيقظ من ليله بفندق فاخر، يجد أنه تعرض لسرقة فقد بسببها بنطاله الوحيد.

ولأن اليوم أحد، والمحلات مغلقة، فإنه يضطر لشراء البنطال الوحيد الذي طابق قياسه في المحل الوحيد الذي فتح أبوابه ذلك الصباح الباكر، حيث موعده مع اللجنة الأوروبية. البنطال يجعل الدسوكين يبدو بمظهر مهرج، لكن المفارقة أن هذا المظهر هو ما سيسهل عليه أمر إنجاز الصفقة.

يعلق فؤاد العروي على هذا المشهد العبثي -في تقديمه للمجموعة- على أنه يوثق "لمرحلة زمنية يتم فيها تفسير الأشياء بصورة مختزلة بدل توخي صلب الحقيقة التي لا يريد أحد رؤيتها".

فمن خلال التقاط تفاصيل الحياة البسيطة، والمفارقات الاجتماعية الهزلية يصور الكاتب -المولود في وجدة (شرقي المغرب) عام 1958- الواقع الاجتماعي والاقتصادي بالمغرب وتطوراته في العقود الأخيرة. فكتب"المهبول" و"عجوز الرياض" و"حب مجروح"، و"اليوم الذي لم تتزوج فيه مليكة" و"لم تفهم شيئا عن الحسن الثاني" وغيرها.

ولم تكن القصة المجال الإبداعي الوحيد لصاحب "احذروا المظليين" فقد كتب أيضا الشعر والدراسات والمقالات الصحفية والرواية، ورشحت روايته "سنة في ضيافة الفرنسيين" ضمن القائمة االطويلة  لجائزة غونكور عام 2010.

المصدر : الجزيرة