منذ أسابيع قليلة، وعن اثنين وثمانين عاما، رحل الكاتب الأفريقي النيجيري العظيم تشينوا أشيبي، وقد كان يعمل حتى آخر أيامه محاضرا بإحدى الجامعات الأميركية، وكان نشطا في الشؤون الأفريقية، ومحاربا صلدا للديكتاتورية والتخلف، وقارئا متبصرا لتاريخ تلك القارة الفقيرة، ولطالما سعى لتعديل ذلك التاريخ، بقراءات حرة مغايرة. كما رفض التكريم من بلاده عدة مرات، نسبة لغياب الحريات فيها.

لقد عرف العالم تشينوا أشيبي منذ زمن طويل، عبر روايته القصيرة: الأشياء تتداعى، التي صدرت عن دار هاينمان البريطانية أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وكانت -كما أعتقد- هي النواة الأولى لما عرف بعد ذلك بسلسلة الكتاب الأفارقة، التي انتظمت دار هاينمان بنشرها بعد ذلك، وظهر من خلالها كتاب عظماء، أمثال نغوغو واسيونج، وأما عطا عبده، والطيب صالح، وبيسي أهد، وغيرهم. ولم تتوقف تلك السلسلة حتى بعد أن انتقلت إلى دار بيارسون الإنجليزية منذ عدة سنوات، فقد استمرت في نهجها في التعريف بالأدب الأفريقي، والتنويه بعظمته وسط الآداب العالمية الأخرى.

بالرغم من أن أشيبي كتب عدة أعمال في فن الرواية، وكتب في تاريخ أفريقيا, إلا أن روايته القصيرة "الأشياء تتداعى"، بقيت هي الإنجاز الأعظم

وبالرغم من أن أشيبي كتب عدة أعمال أخرى في فن الرواية مثل روايته: رجل من الناس، الصادرة عام ١٩٨٨، وكتب في تاريخ أفريقيا مازجا إياه بسيرته الشخصية، إلا أن أشياءه المتداعية بقيت هي الإنجاز الأعظم، سواء بالنسبة له ككاتب، أو بالنسبة للأدب الأفريقي كافة.

فقد كانت من الأعمال الأولى التي تحدثت عن فترة الاستعمار وما بعده في أفريقيا، واحتفت بأساطير، وحكايات شعبية، ومجتمعات بدائية لها عاداتها وتقاليدها، وقد كتبت برشاقة وسلاسة، وكانت بحق هي الباب الكبير الذي يدخل منه الناس إلى قارة مجهولة، كانت بحاجة إلى مثله.

وأظن أنه معروف بأن تلك الرواية القصيرة، ترجمت إلى معظم لغات العالم، وبيع منها ملايين النسخ، وما زالت تطبع وتقرأ إلى الآن، ولا تفقد شيئا من بريقها.

لقد ذكرت في مقال سابق أن "الأشياء تتداعى" تعتبر من الأعمال الأدبية القليلة المحظوظة، من حيث أنها عثرت على قارئها سريعا، وما زالت تعثر في كل يوم على قارئ جديد، ولكن لو نظرنا إلى هذا الحظ نجده  ليس مجرد حظ فقط، هناك أعمال تنتشر لمجرد الحظ فقط، وأعمال يدعمها الحظ وتكون أهلا للانتشار. وأقول بأن هذه الرواية كان يجب أن تنتشر لكل ما حوته، وما أبدعته، وما أرخت له بجدارة.

فعبر أوكونوكو -المحارب الصلد في قبيلته، والمزارع الذي صنع نفسه بنفسه كما وصفه الكاتب، وسط بيئته الفقيرة- نقرأ فترة مهمة من فترات أفريقيا. هناك مهمة محددة كلف بها أوكونوكو القوي، وهي أن يتولى رعاية صبي من قرية مجاورة، وتناصب قريته العداء، حتى يحين موعد قتله، وفاء لدين أو اتفاق تم بين القبيلتين، حين قتل أهل القرية المناوئة تلك فتاة من قرية أوكونوكو.

الصبي كان جميلا وهادئا وذكيا أيضا، ونما في بيت أوكونوكو كما ينمو أبناؤه، وثمة عاطفة طارئة تجاهه من المحارب القوي، حتى تظن كقارئ بأن أوكونوكو سيغير رأيه، ولن يشارك في قتله، لكن المسألة أكبر من ذلك، هي مسألة تقاليد يجب أن تراعى، وقيود رهيبة تمنع العاطفة من التغلغل في أي قلب، وكذا يذهب الصبي إلى مصيره في النهاية، لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد.

لقد عاش أشيبي حياته كلها في الغرب، لكنه يعرف بلاده جيدا، يعرف ما لها وما عليها، وبتلك المعرفة الفذة نقلنا إلى عالم البدائية المترسخ، حيث القوة هي الحكم، وحيث الضعف لا يثمر، والمحاربون حتى لو كانوا عظماء فيما مضى ينتهون تماما، ويحذفون من شرف القبيلة حين تضعف قواهم. إضافة إلى الاعتقادات الموروثة عن آلهة وثنية تنزل المطر، وتكافح آفات المحاصيل، وترزق الخير للخيرين، وتمنح الشر للأشرار. ولم يكن أوكونوكو شريرا باختياره، فقد كان يتبع علاماته الموروثة.

تطرق أشيبي بعد ذلك إلى مرحلة الاستعمار، حين قدم المبشرون البيض إلى قريته، رمز أفريقيا، كانوا يحملون دينا جديدا، وتعاليم أخرى تدعو إلى عبادة الله، بعيدا عن الوثنية المسيطرة، وبديهي أنها تعاليم لن يسمح لها أوكونوكو وغيره من المحاربين المبتلين بمعتقداتهم، أن تنمو أو تزدهر في مجتمع القرية، وبذلك يحدث الصدام الحتمي. لقد اعتنق كثير من أبناء القرية تلك التعاليم، وشاركوا في إحراق ماضيهم وماضي بلادهم، وهنا ينقسم المجتمع إلى قسمين، قسم لن يترك حياته الأولى، وقسم تركها ويسعى لإقناع الغير بتركها.

كان أشيبي قارئا جيدا للحياة، وأمتعنا بنص لم يكن تاريخا صرفا، ولكن فنا، يستدعي التاريخ ويكتبه

هنا -في رأيي- يلمح الكاتب إلى فعل الاستعمار في أبناء الشعب الواحد، ليست مسألة دين جديد، ولكن مسألة فتنة أرادها وقضى بها على الألفة التي كانت سائدة، ثم لينتحر أوكونوكو في النهاية، رامزا إلى الرفض العظيم.

أعود لأقول إن تلك القرية الأفريقية، ترمز للقارة ككل، وما حدث فيها هو بالضبط ما حدث في أي بلد آخر على امتداد القارة، وما زالت أفريقيا تعاني حتى اليوم من تلك الفتنة التي بذرها الاستعمار بين أبناء الشعب الواحد، وقد كان أشيبي -كما قلت- قارئا جيدا للحياة، وأمتعنا بنص لم يكن تاريخا صرفا، ولكن فنا، يستدعي التاريخ ويكتبه.

لقد كتب الكثير عن تشينوا أشيبي، طوال خمسين عاما، وعد الأب الروحي للرواية الأفريقية، التي سيلمع فيها آخرون بعد ذلك، من أمثال نغوغو واسيونج وعثمان سنبين، ووولي سوينكا الذي حصل على جائزة نوبل. وأعتقد أن ما كتب بإيجابية عن الرجل كان مستحقا، لأن الريادة في كل فن لها رونقها، ولها تأثيرها العريض.

أخيرا هناك فراغ قد حدث برحيل أشيبي، فالرجل العظيم لم يتوقف باكرا عن الكتابة، واستمر كاتبا مجددا حتى آخر حياته، وبذلك تفتقده الأوساط الأدبية العالمية، ويفتقده الأدب الأفريقي، الذي كان من أوائل من نوهوا به، ورفعوا من شأنه.

المصدر : الجزيرة