3/3
 
هدف سبيلبيرغ من الفيلم
 
إن الخلفية التي تحدثنا عنها في المقالين السابقين عن المخرج سبيلبيرغ وعلاقته بالصهيونية وعن الرئيس لينكولن وعلاقته باليهود واغتياله على أيديهم، بالإضافة إلى السياق الزمني والسياسي لإنتاج الفيلم وعرضه، كل ذلك يجعلنا نقرأ الفيلم بطريقة مختلفة تقودنا إلى الدوافع الكامنة وراء إنتاجه والقضايا التي يخدمها والرسائل التي يريد توصيلها.
 
وفيما يأتي أبرز هذه الدوافع والرسائل التي يمكن قراءتها في هذا السياق:
 
تخليد اليهود للرئيس لينكولن
لقد جاء التخليد على الطريقة اليهودية، وليس على الطريقة الأميركية، جاء التخليد برؤية سينمائية تاريخية سياسية يهودية كاملة إنتاجاً وإخراجاً وكتابة وتمثيلاً، فأخذوا من سيرته ما يريدون وحذفوا منها ما لا يريدون وفقاً للرؤية الهادفة التي تقف وراء إنتاج الفيلم، فاقتصر الفيلم على الشهور الأربعة الأخيرة من عمر الرئيس، وهي الشهور التي أنجز فيها إيقاف الحرب الأهلية وإجازة قانون منع العبودية دون التطرق إلى إنجاز الرئيس بإصلاح النظام المصرفي.
 
وحتى عندما اغتيل الرئيس تم القفز على حادثة الاغتيال بما لا يتناسب مع كون القتيل الرئيس الأميركي صاحب الإنجازات التي يدين له بها الشعب الأميركي حتى اليوم، في حين استغرق الفيلم في تفاصيل عملية إجازة قانون منع العبودية بطريقة مملة لا تتناسب مع فكرة تخليد الرئيس، والتي ينبغي أن تكون شاملة ومنصفة. فهذا الفيلم سيكون المادة التاريخية المصورة للشعب الأميركي على مدى عقود قادمة، وسرعان ما ستتحول من مادة سينمائية إلى مادة تعليمية مشوقة تتلقاها الأجيال المقبلة. وهو المنهج ذاته الذي سار عليه باراك غودمان في فيلمه الوثائقي (اغتيال أبراهام لينكولن) الذي كتبه وأخرجه وأنتجه، والذي ركز فيه فقط على الجوانب الشخصية التي دفعت القاتل إلى اغتيال الرئيس من وجهة نظر غودمان متجاهلاً كل ما عدا ذلك.

تقوية العلاقة مع السود

وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا اختار سبيلبيرغ موضوع العبودية بعد مضي ١٤٧ عاماً على القانون، وفي وقت تتربع فيه الولايات المتحدة على عرش الحرية والديمقراطية في العالم؟
إن سبيلبيرغ يبعث في هذا الفيلم برسالة واضحة وقوية للأقلية السوداء في المجتمع الأميركي التي يصل عددها إلى حوالي أربعين مليون نسمة بنسبة تزيد عن ١٣% من أجمالي عدد السكان. أراد سبيلبيرغ أن يقول لهذه الأقلية أن اليهود وقفوا بجانبكم وما زالوا يقفون مناصرين لحقوقكم. ومن المعروف أن العلاقة التقليدية بين اليهود والسود في الولايات المتحدة علاقة متوترة.

وقد أوضح سبيلبيرغ أنه عرض الفيلم بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة حتى لا يفهم الجمهور أنه يدعم الرئيس أوباما في حملته الانتخابية. أوباما الذي تعتبر رئاسته تتويجاً ماسياً لقانون تحرير العبيد ونتيجة تلقائية لجهود الرئيس لينكولن لتحقيق ذلك.

يذكر أن سبيلبيرغ أخرج وأنتج فيلماً آخر عام ١٩٨٥ باسم اللون أرجواني (The Color Purple) عن قصة الكاتبة الأميركية (الزنجية) أليس ووكر، تناول فيه معاناة السود في الولايات المتحدة مطلع القرن الماضي.

التمهيد للرئيس اليهودي القادم لأميركا
لم يقف كثيرون عند موضوع صعود الرئيس أوباما  للرئاسة، وتعاملوا معه على أنه أمر عادي ضمن أعراف الديمقراطية الأميركية. هذا الصعود الذي ما زال يكتنفه الغموض الشديد فتح الباب على مصراعيه للأقليات المتنفذة للتقدم نحو الرئاسة في الدورات القادمة، وتعتبر الأقلية اليهودية هي الأوفر حظاً لما تتمتع به من نفوذ هائل في الحياة السياسية للولايات المتحدة ومن قدرة غير محدودة على الدعم المالي. لقد أزاح أوباما الجليد الذي يسد الطريق أمام تقديم اليهود مرشحاً يهودياً للرئاسة، وكان بالون الاختبار لمدى تقبل الأغلبية البيضاء لرئيس من غيرهم للولايات المتحدة، وقد ازداد تأكدهم من نجاح التجربة بعد فوز أوباما بفترة ثانية. وأصبح الطريق أمام الرئيس اليهودي القادم في دورات الانتخابات القريبة التالية ممهداً، وحينها سيحتاج الرئيس اليهودي القادم إلى أصوات جميع الأقليات وفي مقدمتها الأقلية السوداء.

فعلى الرغم من نفوذهم المبكر في الولايات المتحدة، وعلى الرغم من سطوتهم الشديدة على جميع الرؤساء الأميركان وحضورهم الجامح في السياسة والاقتصاد والقانون والقضاء والإعلام والصناعة وحتى العمل الخيري، إلا أنهم لم ينجحوا حتى الآن في الوصول إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، وأعلى منصب وصلوه كان منصب نائب رئيس الجمهورية في زمن الرئيس غيرالد فورد في الفترة (١٩٧٤ ـ ١٩٧٧) حين عين رجل الأعمال الكبير سليل عائلة روكفيلر اليهودية نيلسون روكفيلر.

أما الآن فقد أصبح الطريق أمامهم مفتوحاً بعد أوباما، ولكي ينجح ذلك في المجتمع الأميركي لا بد من التخلص من العقد التاريخية الكبيرة التي تثقل كاهل اليهود على مدار التاريخ الأميركي وغير الأميركي، وفي مقدمتها تورطهم في اغتيال الرئيس لينكولن، ولا بد من استمالة الأقليات وفي مقدمتها الأقلية السوداء.

لقد كان الفيلم رسالة شديدة الوضوح للأقلية السوداء في الولايات المتحدة أن اليهود وقفوا إلى جانبهم ويدعمون حقوقهم، وأن عليهم أن يتذكروا ذلك دائماً، وأن يردوا الجميل لليهود في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى رد الجميل.

دعم فكرة الدولة اليهودية
لم يظهر في الفيلم أي شخصيات يهودية ولا بأي مستوى من المستويات، ولم يتطرق لأي حدث يخص اليهود في أميركا، ولم تستخدم أي رموز يهودية دينية أو صهيونية، ولكن سبيلبيرغ فعل أكثر من ذلك في المشهد الذي جمع بين الرئيس وزوجته في نهاية الفيلم بعد إجازة قانون منع العبودية وإيقاف الحرب الأهلية، وهما يستقلان عربة حصان، حيث يقول لينكولن لزوجته التي أعربت له عن حاجتهما للسفر خارج البلاد لأخذ قسط من الراحة (إنني أشتقاق للذهاب إلى الأرض المقدسة، إلى القدس، حيث كان سليمان وداود يسيران.. إنني أحلم بالسير في شوارع المدينة القديمة). انظر المقطع المرفق من الفيلم.

هكذا تتحول شخصية لينكولن اللادينية إلى شخصية توراتية يهودية تحلم بالذهاب إلى الأرض المقدسة والسير في شوارع القدس حيث داود وسليمان، وليس إلى مدينة بيت لحم حيث ولد المسيح. هكذا، ودون مقدمات، يتحول لينكولن إلى توراتي (يهودي) وهو الذي لم يزر كنيسة قط منذ شبابه الأول فضلاً عن أن يزور كنساً يهودياً، وكانت له تصوراته وتأملاته الخاصة حول الخالق لا علاقة لها بالإنجيل ولا بالتوراة.

إنها الوصية المباشرة التي يبعث بها سبيلبيرغ باسم الرئيس لينكولن إلى الشعب الأميركي عامة ورؤسائه خاصة لتبني الحلم الصهيوني بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، ومساندة الشعب اليهودي في تحقيق ذلك. ويأتي ذلك متزامناً مع الدعوات المتكررة بإعلان دولة الكيان الصهيوني دولة يهودية خالصة للشعب اليهودي.

إن هذه الوصية حلقة في سلسلة الأساطير الصهيونية التي لا تنتهي لاستقطاب دعم العالم للمطالب الصهيونية. والأغرب من ذلك ما تذكره المصادر الصهيونية من أن زوجة الرئيس لينكولن ذكرت أن آخر عبارة قالها لينكولن قبل موته كانت رغبته في زيارة القدس والأرض المقدسة. ولكن، يبدو أن سبيلبيرغ شعر بأن الأمر سيبدو غير منطقي إذا ما فعل ذلك، فآثر تضمين هذه الأسطورة في حياة لينكولن قبل نهاية الفيلم.

طمس علاقة اليهود باغتيال لينكولن
بذكاء سينمائي بارع أسقط سبيلبيرغ كلية جميع الظروف والملابسات التي أحاطت بحادثة اغتيال لينكولن وعلاقة اليهود وعائلة روتشيلد بهذه الحادثة، فالمشاهد لم ير حادثة القتل، وإنما اكتفى المخرج بظهور شخص على المسرح أبلغ الحاضرين للعرض المسرحي ومشاهدي الفيلم أن الرئيس تعرض لإصابة بطلقات نارية. ومع هذا القفز على الحدث الأهم  في حياة الرئيس بعد الإنجازات التي حققها، إلا أن المخرج وفريقه أصروا في المشهد التالي على توثيق وقت وتاريخ الوفاة في  صباح ١٥ أبريل ١٨٦٥ الذي يوافق يوم عيد الفصح اليهودي. لم يثبت المخرج يوم الاغتيال في اليوم السابق للوفاة، وإنما أثبت يوم الوفاة في إشارة واضحة إلى أن لينكولن كان وفياً لليهود حتى في موته.

ثم ينتهي الفيلم بالمقطع الأخير من خطاب لينكولن الذي ألقاه في واشنطن في مارس ١٨٦٥ والذي استهل به فترته الرئاسية الثانية قبل حوالي أربعين يوماً من اغتياله، ويؤكد هذا المقطع على معاني العدل والمساواة والإحسان وإحلال السلام في أميركا والعالم أجمع.

إن هذه المعالجة السينمائية لعملية الاغتيال امتداد للادعاءات والمزاعم الصهيونية التي تعمل على تشويه التاريخ وطمس الحقائق ونفي أي صلة لليهود بدعم الحرب الأهلية والسيطرة على النظام المالي واغتيال الرئيس لينكولن. وقد نجح سبيلبيرغ بشكل بارع في أن يخطف وعي المشاهد ويلاحقه بكلمة الرئيس لينكولن المؤثرة في نهاية الفيلم حتى لا يتيح له فرصة التفكير في عملية الاغتيال ومن قام به والدوافع التي تقف وراء ذلك.

إن المتأمل في تفاصيل سيناريو الفيلم وإخراجه يستطيع الوقوف على المزيد من القضايا والرسائل التي تمثل الدوافع الحقيقية وراء إنتاجه الذي بلغت تكلفته ٦٥ مليون دولار دون أن يحقق أرباحاً مالية تذكر، أما الأرباح السياسية فقد حاولنا فيما سبق تناول طرف منها لصالح اليهود والحركة الصهيونية بما يضع الفيلم على رأس قائمة سلسلة أفلام سبيلبيرغ الصهيونية عن جدارة، وبما يفرض علينا عدم التعاطي مع فيلم لينكولن كمادة ترفيهية مشوقة أو كرؤية درامية تاريخية مجردة، أو مجرد أعمال فنية وجوائز تقديرية وحسب، وإنما كحلقة جديدة وليست أخيرة في سلسلة الأساطير الصهيونية التي تغزو العالم، وتتكامل فيما بينها لنفي الحقائق وتزوير التاريخ تمهيداً لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية المتدرجة في السيطرة والتحكم.

لقد حاولت في المقالات الثلاث حشد المعلومات التي تجعل القارئ أكثر اقتناعاً وأكثر حرصاً على تعميق الوعي في التعامل مع الأحداث والمجريات وعدم ارتكاب جريمة الاكتفاء بالوقوف الساذج عند سطحها.

إن من حق المخرج الدرامي ستيفن سبيلبيرغ والوثائقي باراك غودمان وغيرهما ومن ورائهم جميعاً الحركة الصهيونية ومؤسساتها، من حقهم أن يوظفوا إبداعاتهم وخبراتهم في خدمة ما يؤمنون به من أهداف ومقاصد صهيونية، ولكن من الواجب علينا أن نفهم الأمور على حقيقتها وأن نتبين أبعادها ومقاصدها، وأن نتعامل بحذر شديد مع مثل هذا الفيلم ومراجعته المرة تلو المرة للوقوف على ما يشتمل عليه من اجتزاء وتوظيف وتضليل وافتراء، من أجل فهم الحقيقة والقيام بواجب التوعية والتوضيح على كل المستويات الثقافية والفنية والأكاديمية، خصوصاً ونحن في عالم متواصل متفاعل لا تباعده مسافات ولا تفصله حواجز أو إجراءات ولا تعوزه الوثائق والمعلومات، فجميعها تلتقي تحت أصابعك على لوحة مفاتيح الحاسوب الذي يحتل مكتبك أو الهاتف المحمول الذي لا يفارق يدك.

المصدر : الجزيرة