تحدثت من قبل في هذا المنبر تحديدا، عن ترجمات السياب في كتاب "أصوات الشاعر المترجم" (إعداد وتقديم حسن توفيق)، وقلت إن تلك الترجمات لا يعتدُّ بها من حيث موقعها داخل حركة ترجمة الشعر الأجنبي إلى العربية، ولا من حيث إفصاحها عن خيارات السياب الشعرية، فهي لم تكن أكثر من ترجمات متفرقة لشعراء لا يربط بينهم رابط فكري أو جمالي.

ربما لو ترجم السياب مختارات لـ"تي.أس إليوت" أو إيدث سِتْويل أو حتى لوركا، لبدت لنا علاقة الترجمة بقصيدته هو (بوصفها خيارا شعريا) أو لأحدثت تلك الترجمات أثرا في الشعرية العربية التي كانت تبحث في النصف الثاني من القرن العشرين عن "تثاقف" وتلاقح (هل يجوز أن نقول: تشاعر؟) مع الشعرية الغربية باعتبارها الأكثر حضورا في مشهد الشعر العالمي، بصرف النظر عن جدارتها بهذا التصدُّر أو عدمها.

على عكس السياب، عبّرت ترجمات سعدي يوسف من الشعر الغربي عن خيارات شعرية (جمالية ومضمونية) مقصودة لذاتها، ويبدو هذا واضحا أشدَّ الوضوح في ترجمته كتابيْ "إيماءات" للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس، و"وداعا للإسكندرية التي تفقدها" لمواطنه قسطنطين كافافي.

لسعدي ترجمات لشعراء آخرين (مثل والت ويتمان، ولوركا، وفاسكو بوبا، وأونغاريتي) لم تحقق الحضور الذي حققه عملا الشاعرين اليونانيين في مدونة جيل السبعينيات الشعري العربي، ومنه إلى الأجيال اللاحقة عليه.

أزعم أن الشعرية العربية كانت تبحث عن مخرج من الصوت العالي الجهير والبلاغة الثقيلة والأدلجة التي كانت عليها القصيدة التي جاءت بعد هزيمة يونيو/حزيران وخاضت -شأنها شأن الحياة العامة العربية- في مجهود الرد على الهزيمة

وبين ريتسوس وكافافي تفوق الأول في التأثير من خلال تلك المجموعة الشعرية الصغيرة "إيماءات" التي أصدرها سعدي يوسف في بغداد أواسط سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يعيد إصدارها في بيروت عام 1979 عن دار ابن رشد.. لا بدَّ أن لذلك سببا.

أقصد: أن تشكل ترجمة عمل أدبي ما حدثا ثقافيا وربما منعطفا في المدونة الأدبية المنقول إليها، بينما يمر عمل آخر (بل أعمال) مرور الكرام.

أزعم أن الشعرية العربية كانت تبحث عن مخرج من الصوت العالي الجهير والبلاغة الثقيلة والأدلجة التي كانت عليها القصيدة التي جاءت بعد هزيمة يونيو/حزيران وخاضت -شأنها شأن الحياة العامة العربية- في مجهود "الرد على الهزيمة".

كانت "الأدلجة" أقدم من ذلك، إذ يمكن إرجاعها إلى شيوع "الواقعية الاشتراكية" ثم فكرة الالتزام اللتين طبعتا شطرا لا بأس به من الإبداع الأدبي العربي في عقدي الخمسينايت والستينيات من القرن الماضي.

لا توجد في مكتبتنا العربية خانة للكتابات التي تحاول رصد الأصداء والحوارات التي يقيمها الشعراء في ما بينهم، وتغيِّر -إلى هذا الحد أو ذاك- في الوجهات الفنية لهؤلاء "المتحاورين"، وتحمل نتاجات بعضهم -أحيانا- تأثيرات هذا "الحوار" أو تلك الأصداء كوشم أبدي.

هناك كتب أو دراسات ترصَّدت "السرقات" أو "الانتحالات" أو "الإغارات" التي يقوم بها شاعر على شاعر آخر، ولكن الكتب التي تبحث في التأثيرات التي لا تدخل في الخانات السابقة الذكر قليلة جدا، منها: محاولة فخري صالح دراسة تأثير شعر يانيس ريتسوس تحديدا، على عدد من الشعراء العرب السبعينيين، وقبلهم على مترجم ريتسوس الأول إلى العربية سعدي يوسف.

قد تكون دراسة فخري صالح المقتضبة التي صدرت في طبعتين (استدرك في الثانية بعض ما تسرَّع فيه في الأولى) بالغت في تحري الأثر "الريتسوسي" في الأعمال التي تناولتها، ولكنها مع ذلك تظل محاولة جادة في بابها.

"شعرية التفاصيل" عنوان كتاب الناقد الأردني المعروف فخري صالح، وهو ليس موضوعي هنا إلا من زاوية علاقة ريتسوس بسعدي يوسف وتأثير الاثنين في جانب من الشعرية العربية.

يحيل العنوان -كما هو واضح- إلى "ظاهرة شعرية" عربية بدأت تشق طريقها في أرض القصيدة العربية منذ منتصف السبعينيات، متمثلة أولا بالشاعر سعدي يوسف، ثم بكوكبة ممن تأثروا بأسلوبه وموضوعاته على نحو مباشر، أو ممن فتحت لهم ضربات جناح الشاعر العراقي الكبير حيزا في سماء القصيدة العربية الملبَّدة يومذاك بالأصوات العالية والموضوعات الكبيرة، وقد أخذ هذا الحيِّز يتسع حتى أصبح أفقا هو الذي لحظته تسمية "شعرية التفاصيل" التي قد تكنَّى في فوضى المصطلحات النقدية العربية بـ"الشعر اليومي" أو "شعر التفاصيل اليومية".

عندما يشير العنوان إلى شعر تفاصيل فهذا يعني أن هناك شعرا في الجهة الأخرى من هذه التفاصيل والجزئيات والعارض من الأمور والأشياء الصغيرة، وهذا صحيح، فقد كانت لحظة السبعينيات الشعرية مكرسة -في متنها الأعرض- للقصيدة التي تنطلق من الشأن العربي العام أو تدور حوله، وهو يومذاك كان: القضية الفلسطينية، والحرب الأهلية اللبنانية، وقضية الجنوب اللبناني أو التصدي لتغيير العالم وإعادة بنائه، كل ذلك على خلفية أيدولوجية هي مزيج من الماركسية والقومية العربية.

الشعر العربي نفسه كان يتغير من داخله استجابة لاحتياجات الفن الموضوعية، بعدما بلغ حدا من الإشباع والاحتقان أوجبا البحث عن مخارج فرعية ما لبثت أن أصبحت هي الوجهة العامة لهذا الشعر

كان الحديث عن الشؤون المرتبطة بحياة الإنسان اليومية وعلاقته بمحيطه المباشر وما يحفل به من جزئيات وتفاصيل صغيرة متناهية، مستهجنا، بل غريبا على الذائقة العامة.

لهذا لم يبرز سعدي يوسف كشاعر وطريقة في الكتابة الشعرية، ويتخذ وضع الريادة إلا بعدما أخذت قبضة الأيدولوجيا بالتراخي، وبدأ العالم "المتماسك" الذي كانت ترنو إليه بالتخلخل والاهتزاز، رغم أن سعدي يوسف (للغرابة) ينتمي إلى اليسار الماركسي العربي ولم يكن من دعاة الفن للفن، أو النأي بالشعر تماما عن الحياة العامة، كما دعت إلى ذلك على نحو موارب مجلة "شعر" وبعض شعرائها.

شعرية التفاصيل والاحتفاء بالجزئي واليومي واستضافة آليات السرد ونبذ البلاغة القديمة والإيقاعات الصاخبة وتعمد الركاكة أحيانا، عناصر لها جذور ومحاولات -غير واعية ربما بهذا المنحى- نجدها في بعض شعر صلاح عبد الصبور ومحمد الماغوط ونزار قباني وعبد الوهاب البياتي وغير هؤلاء من الشعراء الذين انفتحوا على حركة الشارع وإيقاع الحياة اليومية، ووظفوا المكان المعلوم (باب توما، وشارع بلس عند الماغوط، والقاهرة عند عبد الصبور).

لكن هذه المحاولات لم تتحول إلى اتجاه وظاهرة إلا مع مجيء سعدي يوسف إلى الساحة الشعرية بدءا من ديوانه "نهايات الشمال الأفريقي"، بل هناك من يرى أن سعدي أرهص بهذا التحول منذ ديوانه "قصائد مرئية" الصادر عن "المطبعة العصرية" في صيدا أواسط ستينيات القرن الماضي.

وهذا يفصح عن علاقة أقدم لسعدي يوسف بما هو "بصري" و"متعين" و"جزئي" من ترجمته ليانيس ريتسوس، بما يجعلني أقل اندفاعا من فخري صالح في ربط "قصيدة التفاصيل" -على نحو حاسم- بترجمة سعدي لمجموعة "إيماءات" باعتبارها الأرض الحصرية التي طلعت منها لاحقا قصيدة التفاصيل العربية. لا أستطيع أن أجزم بتأثير ريتسوس على شعر سعدي يوسف قبل إنجازه هذه الترجمة، ولكني أظن أن الذهاب إلى اليومي والتفصيلي بدأ عند سعدي أبكر بكثيرمن الوقت الذي صدرت فيه "إيماءات".

قد يكون سعدي اطّلع على ريتسوس في فترة أبكر من إصداره "إيماءات" ولم يقم بترجمة بعض قصائده إلا لاحقا، ولكن يخطر لي أن سعدي لم يختر ترجمة ريتسوس -أصلا وأولا- إلا لكونه يتوافق مع ذائقته الشعرية وخياراته في القصيدة والحياة كذلك، فدعونا نتذكر أن سعدي يشاطر ريتسوس الانتماء الأيدولوجي نفسه.

لكن الأهم من ذلك أن الشعر العربي نفسه كان يتغير من داخله استجابة لاحتياجات الفن الموضوعية -على حد تعبير د. سلمى الخضراء الجيوسي- بعدما بلغ حدا من "الإشباع" و"الاحتقان" أوجبا البحث عن مخارج فرعية ما لبثت أن أصبحت هي الوجهة العامة لهذا الشعر.

فالذهاب إلى التفاصيل كان برأيي حاجة موضوعية لشعر أخذ يغص بالموضوعات الكبيرة والشعارات، كما كان احتجاجا عليهما في الوقت نفسه.

ليس من المستبعد أبدًا أن تكون ترجمة "إيماءات" قد أسهمت -من بين عوامل أخرى- في الكشف عن طريق جديدة للقصيدة العربية، وفي إيجاد طرائق اشتغال مغايرة على النص، لكن الأهم كما أسفلت، هو الاستعداد للتغير الذي كان يسكن الشعرية العربية.

كانت "قصيدة التفاصيل" تتخلق في أحشاء القصيدة العربية نفسها قبل معرفتنا بريتسوس. قد يكون المخاض استغرق وقتا طويلا، ولكن ما إن ولد هذا الجنين حتى شبَّ عن طوق الطفولة بأسرع مما ظن الكثيرون.

المصدر : الجزيرة