واسيني الأعرج: القراء يقبلون على الرواية التاريخية لأنهم لا يثقون في التاريخ (الجزيرة)

نزار الفراوي-الدار البيضاء

الروائي الجزائري واسيني الأعرج يعد أحد رواد فن الرواية التاريخية في العالم العربي، إذ لا يفتأ يقترح على القارئ تجارب مجددة هي خلاصة زيارات متواترة للتاريخ العربي تارة وللتاريخ الجزائري بوجه خاص تارة أخرى، علما بأن رواياته التخيلية الصرفة لا تخلو هي الأخرى من وعي حاد بالزمن وحركة الإنسان في التاريخ.

"الأمير.. مسالك أبواب الحديد"، "سراب الشرق" و"سوناتا لأشباح القدس" عناوين بارزة في المسار الأدبي للأعرج، قاسمها المشترك استحضار أحداث وسير ليس فقط لممارسة لعبة سردية مشوقة، بل أيضا لصنع مسافة موضوعية تسمح بمقاربة الواقع بخلفية تاريخية وقدرة أكبر على الفهم والاستشراف.

فراغات التاريخ
عن انتشار صيحة الرواية التاريخية، واتساع قاعدة الطلب عليها، يقول الكاتب الجزائري الذي حصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2007، في لقاء مفتوح مع الجمهور، احتضنه فضاء المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء "الرواية التاريخية لها قراء. وهم يقبلون عليها لأنهم لا يثقون في التاريخ".

رهان الرواية التاريخية، في رأي واسيني الأعرج، يكمن في تعقب الفراغات التي أهملها التاريخ الرسمي والأيديولوجي، والاستناد على بعض العلامات المضيئة لتقول ما أغفله المؤرخون أو طمسته المؤسسات

رهان الرواية التاريخية، في رأي الأعرج، يكمن في تعقب الفراغات التي أهملها التاريخ الرسمي والأيديولوجي، والاستناد على بعض العلامات المضيئة لتقول ما أغفله المؤرخون أو طمسته المؤسسات، لكنه يحرص على التأكيد على أن الرواية ليس منوطا بها إنتاج معرفة تاريخية علمية، لأن اللبس والانفتاح على التأويل من صلب الإبداع السردي.

والواقع أن زيارة التاريخ كانت مكلفة في تجربة الأعرج، ولا سيما في روايته "الأمير" التي تناولت سيرة المناضل الأمير عبد القادر الجزائري، حيث قوبلت الرواية بانتقادات جاءت أساسا على لسان حفيدة الجزائري التي اتهمت الأعرج بتزييف سيرة الراحل. أما عند الأعرج فإن "الأدب الذي لا يخلق مشاكل ليس أدبا".

ويقول في هذا السياق "ليس من الصواب التعامل مع شخصية تاريخية بنوع من التقديس الأعمى، كل ما عملته هو أنسنة الجزائري، واستحضاره في نقاط قوته وضعفه، وليس في ذلك ما يسيء إليه".

وكان الجدل قد ثار أساسا حول مقاربة الأعرج لما سماه البعد الصوفي في حياة الجزائري، ثم إشارته الى قراره الاستسلام أمام القوات الفرنسية حين اقتنع بالاختلال التام لموازين القوى، الأمران اللذان ترفضهما حفيدة الراحل.

وبرؤية أعم تشمل المأزق الحضاري للعالم العربي، جاءت رواية "سراب الشرق" لتستكشف قصة عمرها قرن امتدت من 1916 إلى سقوط برجي التجارة العالمية، في محاولة لفهم انزلاق العرب نحو إنتاج التطرف وإدارة الظهر لقيم العقل والانفتاح. وهو مشروع أنجز على مدى عامين ونصف في إطار جائزة قطر العالمية للرواية.

التراث الشعبي
شغف الأعرج بالتاريخ لا ينحصر في مخزونه من الأحداث والعلاقات، بل ينصرف أيضا إلى استلهام عيون التراث السردي العربي العتيق، بكتابة نصوص تنفخ الحياة في تراث بدا وكأن قراءته باتت مغلقة، ولا تتجاوز مستوى المتعة الحكائية.

واسيني الأعرج: الرواية الأميركية اللاتينية بنت مجدها واستمدت قواها السحرية من متون التراث السردي الشعبي، سواء الشفاهي أو المكتوب

يقول الأعرج إنه لم يستفد على النحو الأمثل من العبقرية السردية الشعبية التي تعكسها نصوص مثل "كليلة ودمنة" و"ألف ليلة وليلة" التي استلهمها الكاتب الجزائري وفتح آفاقها من خلال رواية "الليلة السابعة بعد الألف". ففي هذه الرواية يعطي الأعرج الكلمة لدنيا زاد أخت شهرزاد، لإكمال النص وتفجير ما سكت عنه.

ويدلل الأعرج على رأيه بالقول "إن الرواية الأميركية اللاتينية بنت مجدها واستمدت قواها السحرية من متون التراث السردي الشعبي، سواء الشفاهي أو المكتوب".

وجدير بالذكر أنه إلى جانب "ألف ليلة وليلة"، اشتغل الروائي على تغريبة بني هلال في صنع المادة السردية لروايته "نوار اللوز".

على أن التاريخ ليس قدرا سرديا على روايات الكاتب الجزائري الذي أنهى أحدث مشاريعه الروائية تحت عنوان "مملكة الفراشة". وهو نص تتطور أحداثه في قلب العالم الافتراضي من خلال علاقة حب على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) متوهمة بين شابة جزائرية ومواطن لها يقيم في إسبانيا.

أكثر من قصة حب خائبة، يقدم الأعرج روايته باعتبارها تأملا في التداعيات الاجتماعية والنفسية للحرب الأهلية الجزائرية التي أفرزت تفككا في العلاقات وتوطن الشعور بالعزلة والخوف.

المصدر : الجزيرة